والنهي يقتضي التحريمَ والفسادَ على قولِ أكثرِ الأصوليين، ولأنه - صلى الله عليه وسلم - لما بلغ الثلث، وأجازه مع استكثاره له وكراهته الوصية به، ومحبته لِما هو دونه؛ حيث قال:"الثلثُ، والثلثُ كثيرٌ، إنك أن تذرَ ورثتكَ أغنياءَ خيرٌ من أن تذرهم [1] عالَه يتكففُونَ الناسَ"، دلَّ ذلك على أنه محلُّ الجَواز، وأن ما فوقه غيرُ مَحَل للجواز، ولأنه روي عن ابنِ عباسٍ -رضي الله تعالى عنهما-: أن الخطابَ واردٌ مع الموصي أيضًا.
فإن قلتم: هذا الحكمُ قيده الله سبحانه بوصفين، فما الحكمُ لو لم يترك ذريةً [2] ، أو ترك ذريةً بالِغينَ غيرَ ضعفاءَ؟
فالجواب:
* أنه اختلفَ أهلُ العلم فيما إذا لم يتركْ ورثةً:
فمنعه مالكٌ، والشافعيُّ، وأهلُ المدينة، والأوزاعيُّ، وأحمدُ في أحد قوليه [3] .
وجوّزَه أبو حنيفةَ، وإسحاقُ، وأحمدُ في قوله الآخر [4] .
(1) في"ب":"تدعهم".
(2) في"ب":"ورثة".
(3) وهو قول جمهور أهل العلم، وإليه ذهب جماعة فقهاء الأمصار. انظر:"التمهيد" (8/ 380) ، و"الاستذكار"كلاهما لابن عبد البر (23/ 33) ، و"المغني"لابن قدامة (8/ 516) ، و"التفريع"لابن الجلاب (2/ 324) ، و"روضة الطالبين"للنووي (6/ 108) ، و"فتح الباري"لابن حجر (5/ 464) .
(4) وقال به غير واحد من الصحابة والتابعين. انظر:"التمهيد" (8/ 381) ، و"الاستذكار" (23/ 32) ، و"المغني"لابن قدامة (8/ 516) ، و"رد المحتار"لابن عابدين (10/ 281) .
وهذا القول هو المذهب عند الحنابلة. انظر:"الإنصاف"للمرداوي (7/ 192) .