فهرس الكتاب

الصفحة 86 من 1649

عندي إنْ شاءَ اللهُ تعالى؛ فإنه بَيِّنٌ في لسانِ العربِ أنهم إذا قالوا مثلَ ذلكَ في الأعيانِ، فما الممنوعُ المحرَّم إلا الأمرُ المَقْصودُ المُنْتَفَعُ بِه من تلكَ العَيْنِ، فلو قالَ: حَرَّمْتُ عليكمُ هذهِ الفَرَسَ، عُقِل منهُ أن المرادَ تحريمُ الرُّكوبِ واللَّحْمِ، لا تحريمُ البيعِ. وكذلكَ إذا قال: حَرَّمْتُ عليكُمُ المَيْتَةَ، عُقِل منهُ أن المرادَ [1] تحريمُ أكلِها الَّذي هو مقصودٌ منها، ولم يُعْقَلْ منهُ غيرُ ذلكَ.

ونقولُ لهذا القائِل: هل تَرى العربَ لمّا خاطبهُم اللهُ تعالى بهذهِ الآيةِ، لَمْ يعرفوا مُرادَ اللهِ تبارَكَ وتعَالى، فاحْتاجوا إلى سؤالِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - عن بَيانِ ذلك الشيءِ المُحَرَّمِ؟ كَلاّ، بل عَقَلوا عن اللهِ تَعالى مُرادَهُ، وعلموا أَنَّه أرادَ تَحريمَ نِكاح أُمَّهاتِهم وبَناتِهم. فمن قالَ: إنهم لم يَعْقِلوا مرادَ الله -تَعالى- في هذا الخِطاب، فقدْ جَهَّلَ العربَ بِلُغتهم، وإنما هذا من أوضح البيان عندَهُم إن شاء الله تعالى.

رابعها: الخطابُ الذي يَتَضَمَّنُ نفيًا وإثباتًا في الأَعْيان؛ كقولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم:"إنَّما الأَعْمالُ بالنِّيَّاتِ" [2] ، وكقوله - صلى الله عليه وسلم:"لا نِكاحَ إلا بوَلِيٍّ مُرْشِدٍ وشاهِدَيْ عَدْلِ" [3] .

(1) في"ب":"أنه أراد"بدل"أن المراد".

(2) رواه البخاري (1) ، كتاب: بدء الوحي، باب: كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ومسلم (1907) ، كتاب: الإمارة، باب: قوله - صلى الله عليه وسلم:"إنما الأعمال بالنية"عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-، وهذا لفظ البخاري.

(3) رواه ابن الجوزي في"التحقيق في أحاديث الخلاف" (1702) عن جابر بن عبد الله مرفوعًا. ورواه الإمام الشافعي في"مسنده" (1/ 220) ، والبيهقي في"السنن الكبرى" (7/ 112) عن ابن عباس موقوفًا عليه من قوله، وهو المشهور. وانظر:"خلاصة البدر المنير"لابن الملقن (2/ 189) ، و"التلخيص الحبير"لابن حجر (3/ 162) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت