ثم إن كان المدلِّسُ عن شيخِه ذا تدليسٍ عن الثقات فلا بأس، وإن كان ذا تدليسٍ عن الضعفاءِ فمردود.
فإذا قال الوليد أو بَقِيَّة: عن الأوزاعي، فواهٍ، فإنَّهما يُدلَّسانِ كثيرًا عن الهَلْكَى، ولهذا يَتَّقي أصحابُ (الصحاح) حديثَ الوليد، فما جاء إسنادُه بِصِيغةِ عن ابن جُرَيج، أو عن الأوزاعي تجنَّبوه.
وهذا في زماننا يَعْسُرُ نقدُه على المحدِّث، فإنِّ أولئك الأئمة كالبخاري وأبي حاتم وأبي داود، عايَنُوا الأصول، وعَرَفوا عِلَلَها، وأمَّا نحن فطالَتْ علينا الأسانيد، وفُقِدَتْ العباراتُ المتيقَّنَة، وبمثلِ هذا ونحوِه دَخَل الدَّخَلُ على الحاكم في تَصَرُّفِهِ في (( المستدرك ) ).
الشرح
قال المؤلف رحمه الله تعالى"المعنعن: ما إسناده فلان عن فلان":
سواء قال: عن فلان, أو قال: أن فلانًا, أو قال: قال فلان, وما كان بمعنى العنعنة. والعلماء يعبرون بالعنعنة, وقد يقولون بالمأنن, وذلك لأن العنعنة الأشهر.
قوله"فمن الناس من قال: لا يثبت - أي حديث المعنعن - حتى يصح لقاء الراوي بشيخه يومًا ما":
وهذا يُحكَى عن الإمام البخاري, ذكره عنه القاضي عياض, وتتابع الناس بعد ذلك. فهؤلاء يحكون عن البخاري, وعن علي بن المديني, أنهما لا يقبلان الحديث حتى تثبت المعاصرة, ويصح لقاء الراوي بشيخه ولو مرة واحدة.
الإمام البخاري رحمه الله تعالى لم يذكر في كتبه, لا في صحيحه, ولا في تاريخه, ولا في شيء من ذلك, هذا الكلام, وإنما قال ذلك القاضي عياض, وتبعه على ذلك جمع غفير, استقراءً لمنهج البخاري رحمه الله تعالى.