فهرس الكتاب

الصفحة 108 من 298

ومنهم من نازع القاضي عياض في هذا, وأن هذا الاستقراء وهذا التتبع وهذا الحكم غير صحيح, فلم يقله أحد من الأئمة الذين هم أعرف بمنهج البخاري من القاضي عياض. والأمثلة الواردة عن البخاري المفيدة لهذا المعنى لا تقتضي بأن هذا شرط, بدليل أنه في أحاديث كثيرة في صحيحه وفي غيره يكتفي بمجرد المعاصرة, وانتفاء القرائن على أنه ما هناك عدم سماع.

وقد ذهب الإمام مسلم رحمه الله تعالى إلى قبول الحديث المعنعن بثلاثة شروط: الشرط الأول: المعاصرة, وهذا لا يخالف فيه أحد.

الشرط الثاني: ألاَّ يكون الراوي الذي عنعن مدلسًا لا تُقبَل عنعنته.

الشرط الثالث: ألاَّ تكون هناك قرينة تدل على عدم السماع.

وقد رد الإمام مسلم رحمه الله تعالى في مقدمة صحيحه على المخالفين في هذا, وحكى رحمه الله الإجماع على صحة مذهبه, وأنه لا يعلم أحدًا من الأئمة ينازع ويخالف في هذا, وذكر رحمه الله جمعًا غفيرًا من الأئمة ومن المحدثين ومن الأكابر ما كانوا يشترطون اللُّقِي, وأنه إذا كان فيه معاصرة, كفت هذه المعاصرة عن اللُّقِي, ما لم تدل قرينة على عدم السماع.

وقد علَّق على هذا الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى في العلل فقال: والصواب أن ما لم يَرِدْ فيه السماع من الأسانيد, لا يُحكَم باتصاله, ويُحتَج به مع إمكان اللُّقِي, كما يُحتَج بمراسيل أكابر التابعين. فمعنى هذا أنه يُعَل الخبر بالانقطاع, ويُحتَج به, ويُقبَل في العمل.

نظير هذا الاحتجاج بمراسيل أكابر التابعين. ومنهم من أنكر هذا, وأن الخلاف في مسألة السماع, وليس في مسألة الاحتجاج والعمل. فهل يقال بما نُسِبَ للبخاري؟ أم يُصَار إلى ما صار إليه مسلم وحكى عليه الإجماع؟

العلماء مختلفون في هذا اختلافًا كثيرًا, منهم من نصر ما نُسِبَ إلى البخاري, كابن عبد البر, ومنهم من نصر ما نُسِبَ إلى الإمام مسلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت