ويتميز هذا العلم عن غيره من علوم الحديث أنه يعرض صورة واسعة وشاملة لتسلسل العلم والرواية في أمصار الإسلام. والكثير من المشتغلين في علم الحديث من أهل عصرنا لا يولون علم الطبقات عناية, ولا يهتمون به, لاعتبارات كثيرة وأسباب متعددة, من ذلك قلة الذين يحفظون أسماء الرواة, ومنه اعتماد الكثير على الكتب المختصرة, ومنه الاهتمام بكتب الجرح والتعديل فحسب, وهذا بخلاف أئمة السلف, فقد كانوا يولون هذا الباب أهمية, ويعتنون بعلم الطبقات, ويؤلفون في ذلك. فمنهم من كتب في تحديد مواطن الرواة, ومنهم من كتب في طبقات الشاميين كدحيم, ومنهم من كتب في أسماء حفاظ الأمصار, ومنهم من صنف في طبقات الصحابة المشهورين بالقضاء والمعروفين بالفتيا ومن كان لهم أصحاب يأخذون بقولهم, ومنهم من تحدث عن الستة المكثرين من الحديث في عصر صغار التابعين, وهم ابن شهاب في المدينة, وعمرو بن دينار في مكة, وقتادة بن دعامة السدوسي ويحيى بن أبي كثير في البصرة, وأبو إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي والأعمش في الكوفة.
ومما يعين على حفظ الطبقات, وضبط الرواة, ومعرفة منازلهم, ومراتبهم, معرفة المكثرين من كل طبقة وحفظهم. ونحتاج في هذه المرحلة إلى حفظ المكثرين من الصحابة, ثم من التابعين, ثم من تابعيهم.
والمكثرون من الصحابة سبعة, وهم أصحاب الألوف, وفي مقدمتهم أبو هريرة رضي الله عنه, وقد بلغت مروياته بالمكرر والصحيح والضعيف خمسة آلاف وثلاثمائة وأربعةً وسبعين حديثًا.
ثم ابن عمر, وقد بلغت مروياته ألفين وستمائة وثلاثين حديثًا. ثم أنس بن مالك رضي الله عنه, وبلغت مروياته ألفين ومائتين وستة وثمانين حديثًا. ثم عائشة رضي الله عنها, وبلغت مروياتها ألفين ومائتين وعشرة أحاديث. ثم عبد الله بن عباس رضي الله عنهما, وبلغت مروياته ألفًا وستمائة وستين حديثًا. ثم جابر بن عبد الله رضي الله عنهما,