كبيرة, لأن الجاهل قد يكفِّر بغير مكفِّر, وقد لا يراعي ضوابط التكفير, بخلاف العلماء الذين يعرفون هذا ويفهمونه, ولذلك لم يكن الإمام أحمد رحمه الله تعالى يسارع في تكفير الجهمية بأعيانهم من أهل عصره, ولم يكن يسارع في تكفير حكام عصره مع نصرتهم لمذهب المعتزلة, لأن هذا الباب يُشتَرط فيه أن تقوم الحجة, وأن تزول الشبهة.
وأهل السنة يفرقون بين تكفير النوع, وبين تكفير العين, فيقولون: من قال كذا, ومن فعل كذا, فهو كافر. ولا يقولون عن فلان بأنه كافر, حتى تقوم عليه الحجة, وتنتفي عنه الشبهة.
قوله"والذي تقرر عندنا أنه لا تعتبر المذاهب في الرواية":
وهذا بإطلاق فيه نظر.
قوله"ولا نكفِّر أهل القبلة":
لأن من دخل في الإسلام بيقين, لا يخرج عنه إلا بيقين, ونحو هذا قول جماعة من العلماء: ولا نكفِّر أحدًا بذنبٍ ما لم يستحله, يعنون بهذا أهل القبلة من المسلمين, لا يُكَفَّرُوْنَ بفعل الكبائر كشرب الخمر والسرقة والزنا وأكل الربا, ما لم يحصل منهم استحلال لذلك. ومن قال بأنه يمتنع التكفير بعمل أي ذنب مهما كان إلاَّ بالاستحلال, فقد غلط, فهذا قول أهل البدع والضلال.
فلا يختلف أهل السنة في تكفير من سب الله أو سب رسوله صلى الله عليه وسلم سبًا صريحًا, أو ذبح لغير الله, أو ألقى المصحف في القاذورات.
وقد أجمع الصحابة والتابعون وأهل العلم من أهل السنة أن من قال أو فعل ما هو كُفْرٌ صريح كَفَر, دون تقييد هذا بالجحود أو الاستحلال. وطائفة من الخلق يخلطون بين النواقض وبين الكبائر, وهذا جهل عظيم, فمن أتى بفعل ينافي أصل الإيمان, فهذا كفر, ومن أتى بأمر لا ينافي أصل الإيمان, فهذا ليس بكفر.