وإن لم يترجح أحدهما على الآخر: ـ وهو نادر ـ توقفنا عن العمل بهما حتى يظهر لنا مرجح. [1]
(1) - *وهذا مذهب الجمهور
وفي تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي - (ج 2 / ص 93) :
[ومن جمعَ ما ذكرنا] من الحديث, والفقه, والأصُول, والغوص على المعاني الدَّقيقة, لا يُشكل عليه من ذلك [إلاَّ النَّادر في الأحيان] .
[والمُختَلف قِسْمان: أحدهما يمكن الجمع بينهما] بوجه صحيح [فيتعيَّن] ولا يُصَار إلى التَّعَارض, ولا النَّسخ [ويجب العمل بهما] .
ومن أمْثلة ذلك في أحاديث الأحْكَام, حديث: «إذَا بلغَ الماء قُلَّتين لم يَحْمل الخَبَث» (( الدارقطني برقم(18 ) وهو صحيح )).
وحديث: «خلقَ الله المَاء طَهُورًا لا يُنجسه شيء, إلاَّ ما غيَّر طَعْمه, أو لَوْنه, أو ريحه» (( ابن ماجة برقم(563 ) وفيه ضعف )).
فإن الأوَّل ظَاهرهُ طَهَارة القُلَّتين, تغيَّر أم لا, والثَّاني ظاهره طهارة غير المُتغيِّر, سواء كانَ قُلَّتين أم أقل, فخصَّ عُموم كل منهما بالآخر.
وفي غَيْرها: حديث « لاَ يُورِدَنَّ مُمْرِضٌ عَلَى مُصِحٍّ » (( البخارى(5771) ))
و «فِرَّ مِنَ الْمَجْذُومِ كَمَا تَفِرُّ مِنَ الأَسَدِ» (( البخاري(5707 ) ))
مع حديث: «لا عَدوَى, ولا طَيْرة» (( البخاري(5753 ) )). وكلها صحيحة.
وقد سلكَ النَّاس في الجَمْع مَسَالك:
أحدها: أنَّ هذه الأمْرَاض لا تُعدي بطبعها, لكن الله تَعَالى جعلَ مُخَالطة المَرِيض بها, للصَّحيح سببًا لإعدائه مرضه, وقد يتخلَّف ذلك عن سببه, كما في غيره من الأسْبَاب, وهذا المَسْلك هو الَّذي سلكهُ ابن الصَّلاح.
[و] القسم [الثَّاني لا يُمكن] الجمع بينهما [بوجه, فإن علمنا أحدهما ناسخًا] بطريقة ممَّا سبق [قدَّمناه, وإلاَّ عملنا بالرَّاجح] منهما [كالتَّرجيح بصفات الرُّواة] أي: كَوْن رُواة أحدهما أتقن وأحفظ, ونحو ذلك مِمَّا سيذكر [وكثرتهم] في أحد الحديثين [في خمسين وجهًا] من المُرَجحات, ذكرها الحازمي في كتابه «الاعتبار في النَّاسخ والمنسوخ» ووصلها غيره إلى أكثر من مئة, كما استوفى ذلك العِرَاقي في «نكته» .
وقد رأيتها مُنْقسمة إلى سَبْعة أقْسَام:
الأوَّل: التَّرجيح بحال الرَّاوي وذلك بوجُوه:
أحدها: كثرة الرُّواة, كما ذكر المُصنِّف, لأنَّ احتمال الكذب والوَهْم على الأكثر, أبعد من احتماله على الأقل.
ثانيها: قِلَّة الوسائط, أي: عُلو الإسْنَاد, حيث الرِّجال ثقات, لأنَّ احتمال الكذب والوهم فيه أقل.
ثالثها: فقه الرَّاوي, سَوَاء كان الحديث مَرْويًا بالمعنى, أو اللفظ, لأنَّ الفقيه إذا سمع ما يمتنع حملهُ على ظاهره بحث عنه, حتَّى يطلع على ما يزول به الإشْكَال, بخلاف العامي.
رابعها: علمه بالنَّحو, لأنَّ العالم به يتمكَّن من التحفُّظ عن مواقع الزَّلل ما لا يتمكَّن منهُ غيره.
خامسها: علمه باللُّغة.
سادسها: حفظهُ, بخلاف من يعتمد على كتابه.
سابعها: أفضليتهُ في أحد الثَّلاثة, بأن يكونَا فَقِيهين, أو نَحَويين, أو حافظين, وأحدهما في ذلك أفضل من الآخر.
ثامنها: زيادةُ ضبطه, أي اعتناؤه بالحديث, واهتمامه به.
تاسعها: شُهرته لأنَّ الشُّهرة تمنع الشَّخص من الكذب, كما تمنعهُ من ذلك التقوى.
عاشرها إلى العشرين: كونه ورعًا, أو حسن الاعتقاد - أي: غير مبتدع - أو جليسًا لأهل الحديث, أو غيرهم من العُلماء, أو أكثر مُجَالسة لهم, أو ذكرًا, أو حُرًّا, أو مشهور النَّسب, أو لا لبس في اسمه, بحيث يشاركه فيه ضعيف, وصعب التمييز بينهما, أو له اسم واحد, ولذلك أكثر ولم يختلط, أو له كتاب يُرجع إليه.
حادي عشرينها: أن تثبت عدالته بالإخبار, بخلاف من تثبت بالتَّزكية, أو العمل بروايته, أو الرِّواية عنه, إن قلنا بهما.
ثاني عشرينها إلى سابع عشرينها: أن يعمل بخبره من زكَّاه, ومعارضه لم يعمل به من زكَّاه, أو يتَّفق على عدالته, أو يُذكر سبب تعديله, أو يكثُر مُزكُّوه, أو يكُونوا عُلماء, أو كثيري الفحص عن أحْوَال النَّاس.
ثامن عشرينها: أن يَكُون صاحب القِصَّة, كتقديم خبر أم سَلَمة زوج النَّبي - صلى الله عليه وسلم - في الصَّوم لمن أصبحَ جُنبًا. على خبر الفضل بن العبَّاس في منعه, لأنَّها أعلم منه.
تاسع عشرينها: أن يُبَاشر ما رواه.
الثَّلاثون: تأخُّر إسلامه. وقيلَ: عكسه لقوة أصالة المُتقدَِّم ومعرفته. وقيلَ: إن تأخَّر موته إلى إسْلام المُتأخِّر, لم يرجح بالتأخير, لاحتمال تأخُّر رِوَايته عنهُ, وإن تقدَّم, أو علم أن أكثر رُواياته مُتقدِّمة على رواية المُتأخِّر رُجِّح.
الحادي والثَّلاثون إلى الأرْبعين: كونهُ أحسن سِيَاقًا واستقصَاء لحديثه, أو أقرب مكانًا, أو أكثر مُلازمة لشيخه, أو سمع من مشايخ بلدهِ, أو مُشَافهًا مُشاهدًا لشيخه حال الأخذ, أو لا يُجيز الرِّواية, بالمعنى, أو الصَّحابي من أكابرهم, أو علي - رضي الله عنه - وهو في الأُقْضية, أو مُعاذ, وهو في الحلال والحرام, أو زيد, وهو في الفرائض, أو الإسْنَاد حِجَازي, أو رُوَاته من بلد لا يرضُون التَّدْليس.
القِسْم الثَّاني: التَّرجيح بالتحمُّل, وذلك بوجوه:
أحدها: الوقت, فيرجح منهم من لم يتحمل بحديث إلاَّ بعد البُلوغ, على من كان بعض تحمُّله قبله, أو بعضه بعده, لاحتمال أن يَكُون هذا مِمَّا قبله, والمتحمل بعده أقوى, لتأهله للضَّبط.
ثانيها وثالثها: أن يتحمَّل بحدَّثنا, والآخر عرضًا, أو عرضًا والآخر كِتَابة, أو مُنَاولة, أو وجَادة.
القِسْم الثَّالث: التَّرجيح بكيفية الرِّواية, وذلك بوجُوه.
أحدها: تقديم المَحْكي بلفظه, على المَحْكي بمعناه, والمُشْكُوك فيه, على ما عرف أنَّه مَرْوي بالمَعْنَى.
ثانيها: ما ذُكر فيه سبب ورُوده, على ما لَمْ يَذْكر فيه, لدلالته على اهتمام الرَّاوي به, حيث عرف سببه.
ثالثها: أن لا يُنكره راويه, ولا يتردَّد فيه.
رابعها إلى عاشرها: أن تَكُون ألفاظه دالة على الاتِّصال, كحدَّثنا, وسمعتُ, أو اتُّفِق على رفْعهِ, أو وصله, أو لم يُختلف في إسناده, أو لم يضطرب لفظه, أو رُوي بالإسناد, وعُزي ذلك لكتاب معروف, أو عزيز, والآخر مشهور.
القسم الرَّابع: التَّرجيح بوقت الورود, وذلك بوجوه:
أحدها وثانيها: بتقديم المدني على المَكِّي, والدال على عُلو شأن المُصطفَى - صلى الله عليه وسلم - على الدَّال على الضَّعف: كـ: « بَدَأَ الإِسْلاَمُ غَرِيبًا وَسَيَعُودُ كَمَا بَدَأَ غَرِيبًا فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ » مسلم (389 ) . . ثمَّ شهرته, فيكون الدَّال على العلو متأخِّرًا.
ثالثها: ترجيح المُتضمِّن للتَّخفيف, لدلالته على التأخُّر, لأنَّه - صلى الله عليه وسلم - كان يغلظ في أوَّل أمره, زجرًا عن عادات الجَاهلية, ثمَّ مال للتخفيف.
كذلك قال صاحب «الحاصل» و «المنهاج» ورجَّح الآمدي وابن الحاجب وغيرهما عكسه, وهو تقديم المُتضمِّن للتغليظ, وهو الحق, لأنَّه - صلى الله عليه وسلم - جَاء أولًا بالإسلام فقط, ثمَّ شُرعت العبادات شيئا فشيئا.
رابعها: تَرْجيح ما تحمَّل بعد الإسْلام, على ما تحمَّل قبله, أو شكَّ لأنَّه أظهر تأخرًا.
خامسهَا وسَادسها: تَرْجيح غير المُؤرخ, على المُؤرخ بتاريخ مُتقدِّم, وترجيح المُؤرخ بمُقَارب بوفَاته - صلى الله عليه وسلم - , على غير المؤرخ.
قال الرَّازي: والتَّرجيح بهذه السِّتة, أي: إفَادتها للرُّجْحان غير قوية.
القِسْمُ الخامس: التَّرجيح بلفظ الخبر, وذلك بوجوه:
أحدها إلى الخامس والثلاثين: تَرْجيح الخاص على العام, والعام الَّذي لم يُخصص على المُخصَّص, لضعف دلالته بعد التخصيص, على باقي أفْرَاده, والمُطْلق على ما ورد على سبب, والحقيقة على المَجَاز, والمَجَاز المُشبه للحقيقة على غيره, والشَّرعية على غيرها, والعُرفية على اللُّغوية, والمستغنى على الإضمار, وما يقلُّ فيه اللَّبس, وما اتُّفق على وضعه لمُسمَّاه, والمُومي للعلَّة والمَنْطُوق, ومفهوم المُوافقة على المُخَالفة, والمَنْصُوص على حُكمه مع تشبيهه بمحل آخر, والمُسْتفاد عُمومه من الشَّرط, والجزاء على النكرة المنفية, أو من الجمع المعرف على مَنْ وما, أو من الكلِّ, وذلك من الجنس المعرَّف, وما خطابه تكليفي على الوضعي, وما حُكمه معقول المعنى, وما قدم فيه ذكر العِلَّة, أو دلَّ الاشْتقاق على حُكمه, والمقارن للتهديد, وما تهديده أشد, والمُؤكد بالتكرار, والفصيح, وما بلغة قريش, وما دل على المعنى المُراد بوجهين فأكثر, وبغير واسطة, وما ذكر معه مُعَارضة, كـ: «كنتُ نهيتكُم عن زِيَارة القُبُور فَزُوروهَا» (مسلم(2305 ) ) . والنص والقول, وقولٌ قارنه العمل, أو تفسير الرَّاوي وما قرن حكمه بصفة, على ما قرن باسم, وما فيه زيادة.
القِسْمُ السَّادس: التَّرجيح بالحُكم, وذلك بوجوه:
أحدها: تقديم النَّاقل على البراءة الأصلية على المقرر لها, وقيلَ: عكسه.
ثانيها: تقديم الدَّال على التَّحريم, على الدَّال على الإبَاحة والوجُوب.
ثالثها: تقديم الأحْوط.
رابعها: تقديم الدَّال على نفي الحد.
القِسْمُ السَّابع: التَّرجيح بأمر خارجي, كتقديم ما وافقه ظاهر القُرآن, أو سُنة أخرى, أو ما قبل الشَّرع, أو القياس, أو عمل الأُمة, أو الخُلفاء الرَّاشدين, أو معه مُرْسل آخر, أو مُنقطع, أو لم يشعر بنوع قدح في الصَّحابة, أو له نظير مُتَّفق على حُكْمه, أو اتَّفق على إخراجه الشَّيْخان.
فهذه أكثر من مئة مُرجح, وثَمَّ مُرجحات أُخر لا تَنْحصر, ومثارها غَلَبة الظَّن.
فوائد:
الأُولى: منعَ بعضهم التَّرجيح في الأدلة, قياسًا على البينات, وقال: إذا تعارضا لزم التَّخيير أو الوقف.
وأُجيبث بأنَّ مالكًا يرى تَرْجيح البينة على البينة, ومن لم ير ذلك يقول: البينة مُستندة إلى توقيفات تعبدية, ولهذا لا تقبل إلاَّ بلفظ الشَّهادة.
الثَّانية: إن لم يوجد مُرجح لأحد الحديثين, توقف عن العمل به حتَّى يظهر.
الثَّالثة: التعارض بين الخبرين إنَّما هو لخلل في الإسناد بالنسبة إلى ظن المُجتهد, وأمَّا في نفس الأمر فلا تعارض.
الرَّابعة: ما سلم من المُعَارضة فهو مُحْكم, وقد عقد له الحاكم في «عُلوم الحديث» بابًا, وعدَّه من الأنواع, وكذا شيخ الإسلام في «النُّخبة» .
قال الحاكم: ومن أمثلته حديث: « إِنَّ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ الَّذِينَ يُشَبِّهُونَ بِخَلْقِ اللَّهِ » . (مسلم برقم(5647 ) )
وحديث: « لاَ يَقْبَلُ اللَّهُ صَلاَةً بِغَيْرِ طُهُورٍ وَلاَ صَدَقَةً مِنْ غُلُولٍ » (النسائي(140 ) صحيح )) .
وحديث: « إِذَا وُضِعَ الْعَشَاءُ وَأُقِيمَتِ الصَّلاَةُ فَابْدَءُوا بِالْعَشَاءِ » البخارى (671 ) .
وحديث: « لاَ شِغَارَ فِى الإِسْلاَمِ » مسلم (3533 ) . (وَالشِّغَار: أَنْ يُزَوِّج الرَّجُل اِبْنَته عَلَى أَنْ يُزَوِّجهُ اِبْنَته ، وَلَيْسَ بَيْنهمَا صَدَاق )
قال: وقد صنَّف فيه عُثمان بن سعيد الدَّارمي كتابًا كبيرًا.