وجد حديث ضعيف في فضيلة عمل من الأعمال ولم يكن هذا العمل مما يحتمل الحرمة أو الكراهة فإنه يجوز العمل به ويستحب،لأنه مأمون الخطر ومرجو النفع،إذ هو دائر بين الإباحة والاستحباب فالاحتياط العمل به رجاء الثواب .
وأما إذا دار بين الكراهة والاستحباب،فمجال النظر فيه واسع،إذ في العمل دغدغة الوقوع في المكروه وفي الترك مظنة ترك المستحب،فلينظر إن كان خطر الكراهة المحتملة شديدة والاستحباب المحتمل ضعيفا فحينئذ يرجح الترك على العمل،فلا يستحب العمل به،وإن كان خطر الكراهة أضعف،بأن تكون الكراهة على تقدير وقوعها ضعيفة دون مرتبة ترك العمل على ترك تقدير استحبابه،فالاحتياط العمل به،وفي صورة المساواة يحتاج إلى نظر تام،والظاهر أنه يستحب أيضا لأن المباحات تصير بالنية عبادة فكيف ما فيه شبهة الاستحباب لأجل الحديث الضعيف،فجواز العمل واستحبابه مشروطان،أما جواز العمل فبعدم احتمال الحرمة،وأما الاستحباب فبما ذكر مفصلا،وحاصل الجواب أن الجواز معلوم من خارج،والاستحباب أيضا معلوم من القواعد الشرعية الدالة على استحباب الاحتياط في أمر الدين فلم يثبت شيء من الأحكام الشرعية بالحديث الضعيف بل أوقع الحديث شبهة الاستحباب فصار الاحتياط أن يعمل به فاستحباب الاحتياط معلوم من قواعد الشرع .
وقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابن ُ تيميةَ- رَحِمَهُ اللَّهُ - [1] :
قَوْلُ أَحْمَد بْنِ حَنْبَلٍ: إذَا جَاءَ الْحَلَالُ وَالْحَرَامُ شَدَّدْنَا فِي الْأَسَانِيدِ ؛ وَإِذَا جَاءَ التَّرْغِيبُ وَالتَّرْهِيبُ تَسَاهَلْنَا فِي الْأَسَانِيدِ ؛ وَكَذَلِكَ مَا عَلَيْهِ الْعُلَمَاءُ مِنْ الْعَمَلِ بِالْحَدِيثِ الضَّعِيفِ [2] فِي فَضَائِلِ الْأَعْمَالِ: لَيْسَ مَعْنَاهُ إثْبَاتُ الِاسْتِحْبَابِ بِالْحَدِيثِ الَّذِي لَا يُحْتَجُّ بِهِ ؛ فَإِنَّ الِاسْتِحْبَابَ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ فَلَا يَثْبُتُ إلَّا بِدَلِيلِ شَرْعِيٍّ وَمَنْ أَخْبَرَ عَنْ اللَّهِ أَنَّهُ يُحِبُّ عَمَلًا مِنْ الْأَعْمَالِ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ شَرْعِيٍّ فَقَدْ شَرَعَ مِنْ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ،كَمَا لَوْ أَثْبَتَ الْإِيجَابَ
(1) - مجموع الفتاوى - (ج 18 / ص 65-69) ومجموع الفتاوى - (ج 27 / ص 396)
(2) - يعني ضعفًا يسيرًا