ب) وقد تقدح في الإسناد خاصة،ويكون المتن صحيحًا مثل حديث يَعْلَى بن عُبَيْد،عن الثوري عن عمرو بن دينار عن ابن عمر مرفوعًا"الَبَيِّعَان بالخِيار"فقد وهم يَعْلَى على سفيان الثوري في قوله"عمرو بن دينار"إنما هو عبدالله بن دينار [1] ،فهذا المتن صحيح،وان كان في الإسناد علة الغَلَط،لأن كُلًّا من عمرو وعبد الله بن دينار ثقة . فإبدال ثقة بثقة لا يضر صحة المتن،وان كان سياق الإسناد خطأ . [2]
(1) - * كما في صحيح البخارى (2109 ) حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ حَدَّثَنَا أَيُّوبُ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ - رضى الله عنهما - قَالَ قَالَ النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم - « الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا ، أَوْ يَقُولُ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ اخْتَرْ » .
وفي سنن النسائى (4497 ) أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ « الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا أَوْ يَكُونَ بَيْعُهُمَا عَنْ خِيَارٍ » .
وفي مسند أحمد (4666) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ حَدَّثَنِى أَبِى حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ قَالَ سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ قَالَ سَمِعْتُ النَّبِىَّ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ « الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا أَوْ يَكُونَ بَيْعَ خِيَارٍ » .
وانظر:مقدمة ابن الصلاح - (ج 1 / ص 17) والتقريب والتيسير لمعرفة سنن البشير النذير في أصول الحديث - (ج 1 / ص 6) والمختصر في أصول الحديث - (ج 1 / ص 4) وتدريب الراوي في شرح تقريب النواوي - (ج 1 / ص 191و192) وشرح شرح نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر - (ج 1 / ص 455)
(2) - *ومثالُ العِلَّة في المَتْن: ما انفردَ به مسلم في «صحيحه» (564) من رِوَاية الوليد بن مسلم, حدَّثنا الأوزاعي, عن قتادة: أنَّه كتب إليه يُخبرهُ عن أنس بن مالك, أنَّه حدَّثه قال: صليتُ خلفَ النَّبي - صلى الله عليه وسلم - وأبي بَكْر وعُمر وعُثمان, فكَانُوا يَسْتفتحون بالحمدِ لله ربِّ العالمين, لا يذكُرون بِسْم الله الرَّحمن الرحيم في أوَّل قِرَاءةٍ ولا في آخرها.
ثمَّ رواه (565) من رِوَاية الوليد عن الأوزاعي: أخبرني إسْحَاق بن عبد الله بن أبي طلحة, أنَّه سمع أنسا يذكر ذلك.
وروى مالك في «المُوطأ» (566) عن حُميد, عن أنس قال: صلَّيتُ وراء أبي بَكْر وعُمر وعُثمان, فكُلهم كان لا يَقْرأ بِسْم الله الرَّحمن الرَّحيم.
وزاد فيه الوليد بن مُسلم عن مالك: صَلَّيتُ خلفَ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - .
هذا الحديث مَعْلُول, أعلَّهُ الحفَّاظ بوجُوه جمعتها وحررتها في المجلس الرَّابع والعشرين من الأمالي بما لم أُسْبق إليه, وأنا ألخصها هنا:
فأمَّا رواية حُميد, فأعلَّها الشَّافعي (567) بمُخالفة الحُفَّاظ مالكًا, فقال في «سنن» حرملة, فيما نقله عن البَيْهقي: فإن قال قائل: قد رَوَى مالك... فذكرهُ, قيل له: خالفهُ سُفيان بن عُيينة, والفَزَاري, والثَّقفي, وعدد لقيتهم سبعة أو ثمانية متفقين مُخَالفين له, والعدد الكثير أوْلَى بالحفظ من واحد, ثمَّ رجَّح روايتهم بما رواه عن سُفيان, عن أيُّوب, عن قتادة, عن أنس قال: كان النَّبي - صلى الله عليه وسلم - وأبو بكر وعُمر يَفْتَتحُونَ القِرَاءة بالحمد لله ربِّ العَالمين.
قال الشَّافعي (568) : يعني يبدؤون بقرأة أم القرآن قبل ما يقرأ بعدها, ولا يعني أنَّهم يتركُون بسم الله الرَّحمن الرَّحيم.
قال الدَّارقُطْني (569) : وهذا هو المحفُوظ عن قتادة وغيره عن أنس.
قال البَيْهقي: وكذا رواه عن قتادة أكثر أصْحَابه, كأيُّوب, وشُعبة, والدَّستوائي وشَيْبان بن عبد الرَّحمن, وسعيد بن أبي عَرُوبة, وأبي عَوَانة وغيرهم.
قال ابن عبد البر: فهؤلاء حُفَّاظ أصْحَاب قتادة, وليس في روايتهم لهذا الحديث ما يُوجب سُقوط البَسْملة, وهذا هو اللفظ المُتفق عليه في «الصَّحيحين» وهو رِوَاية الأكثرين, ورواهُ كذلك أيضًا عن أنس ثابت البُنَاني, وإسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة, وما أوله عليه, ورواه الشَّافعي مُصَرَّح به في رِوَاية الدَّارقُطْني (570) بسند صحيح: فكانوا يَسْتفتحُونَ بأمِّ القُرآن.
قال ابن عبد البر: ويقولُون: إنَّ أكثر رواية حُميد عن أنس إنَّما سمعها من قتادة وثابت عن أنس, ويُؤيد ذلك أنَّ ابن عدي صرَّح بذكر قتادة بينهما في هذا الحديث, فتبين انقطاعها ورجُوع الطريقين إلى واحدة.
وأمَّا رِوَاية الأوزاعي فأعَلَّها بعضهم بأنَّ الرَّاوي عنه وهو الوليد يُدلِّس تدليس التسوية, وإن كان قد صرَّح بسماعه من شيخه, وإن ثبت أنَّه لم يسقط بين الأوزاعي وقتادة أحد, فقتادة ولد أكمه, فلا بد أن يَكُون أمْلَى على من كتب إلى الأوزاعي, ولم يُسم هذا الكاتب فيُحتمل أن يكُون مجروحًا, أو غير ضابط, فلا تقوم به الحُجَّة مع ما في أصل الرِّواية بالكتابة من الخلاف, وأنَّ بعضهم يرى انقطاعها.
وقال ابن عبد البر: اختلف في ألفاظ هذا الحديث اختلافًا كثيرًا متدافعًا مضطربا:
منهم من يقول: صليتُ خلف رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر وعُمر.
ومنهم من يذكُر عُثمان.
ومنهم من يقتصر على أبي بكر وعُمر وعثمان.
ومنهم من لا يذكر: فكانوا لا يقرؤون بسم الله الرَّحمن الرَّحيم.
ومنهم من قال: فكانوا لا يَجْهرُون ببسم الله الرَّحمن الرَّحيم.
ومنهم من قال: فكانوا يَجْهرُون ببسم الله الرَّحمن الرَّحيم.
ومنهم من قال: فكانوا يفتتحون القِرَاءة بالحمد لله ربِّ العالمين.
ومنهم من قال: فكانوا يقرؤون بسم الله الرَّحمن الرَّحيم.
قال: وهذا اضطراب لا تَقُوم معه حُجَّة لأحد, ومِمَّا يدل على أنَّ أنسًا لم يُرد نفي البَسْملة, وأنَّ الذي زاد ذلكَ في آخر الحديث روى بالمعنى فأخطأ, ما صحَّ عنه أنَّ أبا مَسْلمة سألهُ: أكان رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - يستفتح بالحمد لله ربِّ العالمين, أو ببسم الله الرَّحمن الرحيم؟ فقال: إنَّك سألتني عن شيء ما أحفظهُ, وما سَألني عنه أحد قبلك. أخرجه أحمد وابن خزيمة (571) بسندٍ على شَرْط الشَّيخين.
وما قيلَ: من أنَّ من حفظ عنه حُجَّة على من سألهُ في حال نِسْيانه.
فقد أجاب أبو شَامة بأنَّهما مسألتان, فسُؤال أبي سلمة عن البَسْملة وتركها, وسُؤال قتادة عن الاستفتاح بأي سُورة.
وقد وردَ من طريق آخر عنه: كان رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - يُسر ببسم الله الرَّحمن الرَّحيم. أخرجه الطبراني (572) من طريق مُعتمر بن سُليمان, عن أبيه, عن الحسن عنه.
وابن خزيمة (573) من طريق سُويد بن عبد العزيز, عن عمران القَصِير, عن الحسن عنه.
وورد من طريق آخر عن المعتمر بن سُليمان عن أبيه, عن أنس قال: كان رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - يجهر ببسم الله الرَّحمن الرَّحيم. رواه الدَّارقُطْني (574) والخطيب.
وأخرجه الحاكم (575) من جهة أُخرى عن المُعْتمر.
وقد ورد ثُبوت قراءتها في الصَّلاة عن النَّبي - صلى الله عليه وسلم - من حديث أبي هُرَيْرة من طُرق عند الحاكم, وابن خزيمة, والنَّسائي, والدَّارقطني, والبيهقي, والخطيب (576) .
وابن عبَّاس عند الترمذي والحاكم والبَيْهقي (577) .
وعثمان, وعلي, وعمَّار بن ياسر, وجابر بن عبد الله, والنُّعْمَان بن بشير, وابن عُمر, والحكم بن عُمير, وعائشة, وأحاديثهم عند الدَّارقُطْني (578) .
وسَمُرة بن جُنْدب, وأُبَي, وحديثهما عند البَيْهقي.
وبُرَيدة, ومُجَالد بن ثور, وبُسْر أو بِشْر بن معاوية, وحُسين بن عرفطة, وأحاديثهم عند الخطيب.
وأم سلمة عند الحاكم (579) .
وجماعة من المهاجرين والأنصار عند الشَّافعي (580) .
فقد بلغ ذلك مبلغ التواتر, وقد بيَّنا طُرق هذه الأحاديث كلها في كتاب «قطف الأزْهَار المُتناثرة في الأخبار المُتواترة» وتبين بما ذكرناهُ أنَّ لحديث مُسلم السَّابق تسع علل:
المُخَالفة من الحُفَّاظ والأكثرين. والانقطاع. وتدليس التَّسوية من الوليد. والكتابة. وجهالة الكاتب. والاضطراب في لفظه. والإدراج. وثُبوت ما يُخالفه عن صحابيه.
ومُخَالفته لما رواه عدد التواتر.المختصر في أصول الحديث - (ج 1 / ص 4) وتدريب الراوي في شرح تقريب النواوي - (ج 1 / ص 191)