فهرس الكتاب

الصفحة 203 من 317

5-حكم الإدراج:

الإدراج حرام بإجماع العلماء من المحدثين والفقهاء وغيرهم،ويستثنى من ذلك ما كان لتفسير غريب،فإنه غير ممنوع،ولذلك فعله الزهري وغيره من الأئمة .

6-أشهر المصنفات فيه:

أ)"الفَصْلُ للوَصْل المُدْرَج في النَّقْل"للخطيب البغدادي.

ب)"تقريب المَنْهَج بترتيب المُدْرَج"لابن حجر،وهو تلخيص لكتاب الخطيب وزيادة عليه . [1]

(1) - وفي تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي - (ج 1 / ص 205)

[النَّوع العِشْرون: المُدْرج] .

[هو أقْسَامٌ: أحدُها: مُدرج في حديث النَّبي - صلى الله عليه وسلم - , بأن يذكر الرَّاوي عقيبه كلامًا لنفسه, أو لغيره, فيرويه من بعده متصلًا] بالحديث من غير فصل [فيُتوهَّم أنَّه من] تتمة [الحديث] المرفوع, ويُدْرك ذلكَ بورُوده مُنفصلًا في رِوَاية أُخرى, أو بالتَّنصيص على ذلك من الرَّاوي, أو بعض الأئمة المُطَّلعين, أو باستحالة كونه - صلى الله عليه وسلم - يقول ذلك.

مثال ذلك ما رواهُ أبو داود: حدَّثنا عبد الله بن محمَّد النُّفيلي, حدَّثنا زُهَير, حدَّثنا الحسن بن الحُر, عن القاسم بن مُخَيْمِرة, قال: أخذَ علقمة بيدي, فحدَّثني أنَّ عبد الله بن مسعود أخذ بيده, وأنَّ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - أخذَ بيد عبد الله بن مَسْعُود فعلَّمنا التَّشهد في الصَّلاة... الحديث, وفيه: إذَا قُلتَ هذا, أو قضيتَ هذا, فقد قضيتَ صلاتكَ, إن شئتَ أن تَقُوم فَقُم, وإن شئتَ أن تَقْعُد فاقْعُد.

فقوله: إذا قُلت, إلى آخره وصلهُ زُهَير بن مُعَاوية بالحديث المرفُوع في رِوَاية أبي داود هذه, وفيما رواه عنه أكثر الرُّواة.

قال الحاكم: وذلك مُدْرج في الحديث من كلام ابن مَسْعود, وكذا قال البيهقي والخطيب.

وقال المُصنِّف في «الخُلاصة» : اتَّفقَ الحُفَّاظ على أنَّها مُدْرجة, وقد رواه شَبَابة بن سَوَّار, عن زُهير ففصله, فقال: قال عبد الله: إذا قُلت ذلك... إلى آخره, رواه الدَّارقُطْني وقال: شَبَابة ثقة, وقد فصل آخر الحديث وجعله من قول ابن مَسْعود, وهو أصح من رِوَاية من أدرجه. وقوله أشبه بالصَّواب, لأنَّ ابن ثوبان رواه عن الحسن كذلك, مع اتِّفَاق كُل من رَوَى التشهد عن عَلْقمة, وعن غيره عن ابن مَسْعُود, على ذلك.

وكذا ما أخرجهُ الشَّيخان من طريق ابن أبي عَرُوبة وجَرِير بن حازم, عن قَتَادة عن النَّضر بن أنس, عن بَشِير بن نَهِيك, عن أبي هُرَيْرة: «مَنْ أعْتقَ شِقْصًا...» وذكَرَا فيه الاسْتِسْعاء.

قال الدَّارقُطْني فيما انتقده على الشَّيخين: وقد رواهُ شُعبة وهِشَام وهُمَا أثبت النَّاس في قَتَادة, فلم يذكُرَا فيه الاستسعاء, ووافقهما همَّام وفصلَ الاستسعاء من الحديث, وجعله من قول قتادة.قال الدَّارقُطْني: وذلك أوْلَى بالصَّواب.

وكذا حديث ابن مَسْعود رفعهُ: «من مَاتَ لا يُشْرك بالله شيئًا دخلَ الجَنَّة, ومن ماتَ يُشْرك بالله شيئًا دخلَ النَّار» . ففي رِوَاية أُخرى: قال النَّبي - صلى الله عليه وسلم - كلمة, وقلتُ أنا أُخرى, فذكرهما.

فأفادَ ذلكَ أنَّ إحدى الكلمتين من قَولِ ابن مسعُود, ثمَّ وردت رِوَايةٌ ثَالثة أفَادت أنَّ الكلمة الَّتي هي من قوله هي الثَّانية, وأكدَّ ذلك رِوَاية رابعة اقتُصِرَ فيها على الكلمة الأولى مُضَافة إلى النَّبي - صلى الله عليه وسلم - .

وفي الصَّحيح عن أبي هُرَيْرة مرفُوعًا: «للعَبْد المَمْلُوكِ أجْران» . والَّذي نفسي بيده لَوْلا الجِهَاد في سبيل الله, والحج, وبر أمِّي, لأحببتُ أن أموتَ وأنا مَمْلُوك.

فقوله: والَّذي نفسي بيده... إلخ من كلام أبي هُرَيْرة, لأنَّه يمتنع منه - صلى الله عليه وسلم - أن يتمنَّى الرِّق, ولأنَّ أمَّه لم تَكُن إذ ذاك موجُودة حتَّى يبرها.

تنبيه:

هذا القِسْم يُسمَّى مُدْرج المتن, ويُقابله مُدْرج الإسْنَاد, وكل منهما ثلاثة أنواع, اقتصرَ المُصَنِّف في الأوَّل على نوع واحد تبعًا لابن الصَّلاح, وأهمل نَوْعين, وأهملَ من الثَّاني نَوْعًا وهو عِنْد ابن الصَّلاح.

فأمَّا مُدْرج المتن, فتارة يَكُون في آخر الحديث كما ذكرهُ, وتارة في أوَّله, وتارة في وسطه, كما ذكرهُ الخَطِيب وغيره.

والغالب وقُوع الإدْراج آخر الخبر, ووقُوعه أوَّله أكثر من وسطه, لأنَّ الرَّاوي يقول كلامًا يُريد أن يَسْتدل عليه بالحديث, فيأتي به بلا فصل, فيُتوهَّم أن الكُل حديث.

مثاله: ما رواه الخطيب من رواية أبي قَطَن وشَبَابة, فرَّقهما عن شعبة, عن محمَّد بن زياد, عن أبي هُرَيْرة قال: قال رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - «أسبغُوا الوضُوء, ويلٌ للأعْقَاب من النَّار» .

فقوله: أسبغُوا الوضُوء, مُدْرج من قول أبي هُرَيْرة, كما بيَّن في رِوَاية البُخَاري عن آدم, عن شُعْبة, عن محمَّد بن زِيَاد, عن أبي هُرَيْرة قال: أسبغُوا الوضُوء, فإنَّ أبا القَاسم - صلى الله عليه وسلم - قال: «ويلٌ للأعْقَابِ من النَّار» .

قال الخطيب: وهِمَ أبو قَطَن وشَبَابة في رِوَايتهما له عن شُعبة على ما سُقْناهُ, وقد رواهُ الجم الغَفِير عنه كرواية آدم.

ومِثَالُ المُدْرج في الوسط, والسَّبب فيه, إمَّا اسْتنباط الرَّاوي حُكمًا من الحديث قبل أن يتم فيُدْرجه, أو تفسير بعض الألفاظ الغريبة, ونحو ذلك.

فمن الأوَّل ما رواه الدَّارقُطْني في «السنن» من رِوَاية عبد الحميد بن جعفر, عن هِشَام بن عُروة, عن أبيه, عن بُسْرةَ بنت صَفْوان قالت: سمعتُ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «من مسَّ ذكرهُ, أو أُنْثييه, أو رفغيه فليتوضَّأ» .

قال الدَّارقُطْني: كذا رواهُ عبد الحميد, عن هِشَام, ووهِمَ في ذِكْر الأُنثيين والرفغ, وإدْرَاجه لذلكَ في حديث بُسْرة, والمحفُوظ أنَّ ذلكَ قول عُروة, وكذا رواه الثِّقات عن هِشَام, منهم أيُّوب وحمَّاد بن زيد وغيرهما.

ثمَّ رواهُ من طريق أيُّوب بلفظ: «من مَسَّ ذكرهُ فليتوضَّأ» . قال: وكان عُروة يَقُول: إذا مَسَّ رفغيه, أو أُنثييه, أو ذكرهُ فليتوضَّأ, وكذا قال الخطيب.

فعروة لمَّا فهم من لفظ الخبر أنَّ سبب نَقْض الوضُوء مظنَّة الشَّهوة, جعل حُكم ما قَرُب من الذَّكر كذلك, فقال ذلك, فظنَّ بعض الرُّواة أنَّه من صُلْب الخبر, فنقلهُ مُدْرجًا فيه, وفهِمَ الآخرون حقيقة الحال ففصلوا.

ومن الثاني حديث عائشة في بَدْء الوحي: كان النَّبي - صلى الله عليه وسلم - يتحنَّث في غَارِ حِرَاء وهو التَّعبد اللَّيالي ذَوَات العدد.

فقوله: وهو التعبُّد, مُدْرج من قَوْل الزُّهْري.

وحديث فَضَالة: «أنا زَعِيمٌ - والزَّعيم الحَمِيل - ببيتٍ في رَبَضِ الجنَّة...» الحديث.

فقوله: والزَّعيم الحَميل مُدْرج من تفسير ابن وهب, وأمثلة ذلك كثيرة.

قال ابن دقيق العيد: والطَّريق إلى الحُكم بالإدراج في الأوَّل أو الأثناء صعب, لا سيمَا إن كان مُقدَّما على اللَّفظ المَرْوى, أو مَعْطُوفًا عليه بواو العطف.

والثَّاني: أن يَكُون عندهُ مَتْنانِ بإسْنَادين فيرويهمَا بأحدهمَا.

[والثَّاني: أن يَكُون عندهُ مَتْنان] مُختلفان [بإسْنَادين] مختلفين [فيرويهما بأحدهما] أو يروي أحدهما بإسناده الخاص به, ويزيد فيه من المَتْن الآخر ما ليسَ في الأوَّل, ومنهُ أن يَسْمع الحديث من شيخه, إلاَّ طرفًا منهُ, فإنَّه عندهُ بإسْنَاد آخر, فيرويه تامًّا بالإسْناد الأوَّل.

ومنهُ أن يَسْمع الحديث من شَيْخهِ, إلاَّ طَرَفًا منهُ, فيسمعهُ بواسطة عنه فيرويهُ تامًّا بحذفِ الواسطة.

وابن الصَّلاح ذكر هذين القِسْمين دُون ما ذكرهُ المُصنِّف, وكأنَّ المُصنِّف رأى دُخُولهما فيمَا ذكرهُ.

مثالُ ذلك حديث رواهُ سعيد بن أبي مريم, عن مالك , عن الزُّهْري, عن أنس أنَّ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا تَبَاغضُوا, ولا تَحَاسَدُوا, ولا تَدَابرُوا, ولا تَنَافَسُوا...» الحديث.

فقوله: ولا تنافَسُوا, مُدْرج, أدرجهُ ابن أبي مريم من حديث آخر لمالك , عن أبي الزِّناد, عن الأعرج, عن أبي هُرَيْرة عن النَّبي - صلى الله عليه وسلم -: «إيَّاكم والظَّن, فإنَّ الظَّن أكْذَب الحديث, ولا تَجَسَّسوا, ولا تنافَسُوا, ولا تحاسَدُوا» .

وكِلاَ الحديثين مُتَّفق عليه من طريق مالك, وليسَ في الأوَّل: ولا تنافَسُوا, وهي في الثاني, وهكذا الحديثان عند رُواة الموطأ.

قال الخطيب: وهِمَ فيها ابن أبي مَرْيم, عن مالك عن ابن شِهَاب, وإنَّما يَرْويها مالك في حديثه عن أبي الزِّناد.

وروى أبو داود من رِوَاية زائدة وشَريك فرَّقهما, والنَّسائي من رواية سُفيان بن عُيَينة, كلهم عن عاصم بن كُلَيب, عن أبيه, عن وائل بن حُجْر, في صِفَة صَلاةِ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - , قال فيه: ثمَّ جئتهم بعد ذلك في زمَانٍ فيه برد شديد, فرأيتُ النَّاس عليهم جل الثِّياب تحرك أيديهم تحت الثِّياب.

فقوله: ثُمَّ جئتهم, إلى آخره ليسَ هو بهذا الإسْنَاد, وإنَّما أُدْرج عليه, وهو من رِوَاية عَاصم, عن عبد الجبَّار بن وائل, عن بعض أهْلهِ, عن وائل.

وهكذا رواهُ مُبينًا: زُهَير بن مُعَاوية, وأبو بَدْر شُجَاع بن الوليد, فمَيَّزا قِصَّة تحريك الأيْدي وفَصَلاها من الحديث, وذكرا إسْنَادهما.

قال مُوسَى بن هارون الحَمَّال: وهُمَا أثبت مِمَّن روى رَفْع الأيدي تحت الثِّياب عن عاصم, عن أبيه, عن وائل.

الثَّالث: أن يَسْمع حَدِيثًا من جَمَاعة مُخْتلفين في إسْنَاده, أو مَتْنه, فيَرْويه عنهم باتِّفَاق.

[الثَّالث أن يَسْمع حديثًا من جماعة مُختلفين في إسْنَاده, أو متنه, فيَرويه عنهم باتِّفاق] ولا يُبين ما اختُلفَ فيه.

ولفظة المَتْن مزيدة هُنَا, كأنَّه أرادَ بها ما تقدَّم, من أن يَكُون المتن عندهُ بإسْناد, إلاَّ طرفًا منه, وقد تقدَّم مثاله.

ومثال اخْتلاف السَّند حديث التِّرمذي عن بُنْدار, عن ابن مَهْدي, عن سُفيان الثَّوري, عن واصل ومنصُور والأعْمَش, عن أبي وائل, عن عَمْرو بن شُرَحْبيل, عن عبد الله قال: قلتُ يا رَسُول الله أي الذَّنب أعْظم؟... الحديث.

فرِوَاية واصل هذه مُدْرجة على رِوَاية منصُور والأعْمش, لأنَّ واصلًا لا يَذْكُر فيه عَمْرًا, بل يجعلهُ عن أبي وائل, عن عبد الله, هكذا رواهُ شُعبة ومهدي بن ميمُون ومالك بن مِغْوَل وسعيد بن مَسْرُوق, عن واصل, كما ذكرهُ الخطيب.

وقد بَيَّن الإسْنادين معًا يحيى بن سعيد القَطَّان في رِوَايته عن سُفيان, وفصلَ أحدهما من الآخر, رواهُ البُخَاري في «صحيحه» عن عَمرو بن علي, عن يَحْيى, عن سُفيان, عن منصُور والأعْمَش, كلامهما عن أبي وائل, عن عَمرو, عن عبد الله. وعن سُفيان عن واصل, عن أبي وائل, عن عبد الله من غير ذكر عَمرو.

قال عَمرو بن علي: فذكرتهُ لعبد الرَّحمن, وكان حدَّثنا عن سُفيان, عن الأعمش ومنصُور وواصل, عن أبي وائل, عن عَمْرو, فقال: دعهُ.

قال العِرَاقي: لكن رواه النَّسائي , عن بُنْدار, عن ابن مهدي, عن سُفيان, عن واصل وحدهُ, عن أبي وائل, عن عَمرو, فزاد في السَّند عَمْرًا من غير ذكر أحد, وكأنَّ ابن مَهْدي لمَّا حَدَّث به عن سُفيان عن منصور والأعمش وواصل بإسْناد واحد, ظنَّ الرُّواة عن ابن مَهْدي اتِّفاق طُرقهم, فاقتصر على أحد شُيوخ سُفيان.

وكلُّهُ حرامٌ, وصَنَّف فيه الخَطيبُ كِتَابًا شَفَى وكَفَى.

[وكلُّه] أي: الإدراج بأقسامه [حرام] بإجماع أهل الحديث والفقه, وعبارة ابن السَّمعاني وغيره: من تعمَّد الإدْراج, فهو ساقط العَدَالة, ومِمَّن يُحرِّف الكَلِم عن مواضعه, وهو مُلحق بالكذَّابين.

وعندي: أنَّ ما أُدْرج لتفسير غريب لا يمنع, ولذلك فَعَلهُ الزُّهْري وغير واحد من الأئمة.

[وصنَّف فيه] أي: نوع المُدْرج [الخطيب كِتَابًا] سمَّاه «الفَصْل للوَصْل المُدْرج في النَّقل» [شفى وكفى] على ما فيه من إعْوَاز.

وقد لخَّصه شيخُ الإسْلام وزاد عليه قدرهُ مرَّتين أو أكثر في كِتَاب سمَّاه «تقريب المَنْهج بترتيب المُدْرج» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت