وان لم يُضِفْهُ إلى زمنه فهو موقوف عند الجمهور، [1] كقول عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ - رضى الله عنهما - قَالَ كُنَّا إِذَا صَعِدْنَا كَبَّرْنَا،وَإِذَا نَزَلْنَا سَبَّحْنَا [2] .
أو يقول الصحابي [3] :"أُمِرْنا بكذا أو نُهينا عن كذا،أو من السُّنة كذا"فعَنْ أَنَسٍ قَالَ أُمِرَ بِلاَلٌ أَنْ يَشْفَعَ الأَذَانَ وَأَنْ يُوتِرَ الإِقَامَةَ إِلاَّ الإِقَامَةَ [4] .
وكقول أُمِّ عَطِيَّةَ - رضى الله عنها - قَالَتْ نُهِينَا عَنِ اتِّبَاعِ الْجَنَائِزِ،وَلَمْ يُعْزَمْ عَلَيْنَا [5]
وكقول أَيُّوبَ وَخَالِدٍ الْحَذَّاءِ عَنْ أَبِى قِلاَبَةَ عَنْ أَنَسٍ قَالَ مِنَ السُّنَّةِ أَنْ يُقِيمَ عِنْدَ الْبِكْرِ سَبْعًا. قَالَ خَالِدٌ وَلَوْ شِئْتُ قُلْتُ رَفَعَهُ إِلَى النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - . [6]
(1) - *كذا قال ابن الصَّلاح تبعًا للخطيب , وحكاهُ المُصنِّف في «شرح مسلم» عن الجُمهور من المُحدِّثين وأصْحَاب الفقه والأصُول, وأطلق الحاكم والرَّازي والآمدي أنَّه مرفوعٌ, وقال ابن الصبَّاغ: إنَّه الظَّاهر ومثَّله بقول عائشة رضي الله عنها: كانت اليَدُ لا تُقطع في الشَّيء التَّافه.
وحكَاهُ المُصنِّف في «شرح المُهذَّب» عن كثير من الفُقهاء, قال: وهو قوي من حيثُ المعنى, وصحَّحه العراقي وشيخ الإسلام.تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي - (ج 1 / ص 126)
(2) - *فتح المغيث بشرح ألفية الحديث - (ج 1 / ص 111) وتدريب الراوي في شرح تقريب النواوي - (ج 1 / ص 126)
(3) - *مقدمة ابن الصلاح - (ج 1 / ص 8) والباعث الحثيث في اختصار علوم الحديث - (ج 1 / ص 6) والتقريب والتيسير لمعرفة سنن البشير النذير في أصول الحديث - (ج 1 / ص 3) وقواعد التحديث للقاسمي - (ج 1 / ص 106) والكفاية في علم الرواية - (ج 1 / ص 407) وتدريب الراوي في شرح تقريب النواوي - (ج 1 / ص 128) ونزهة النظر في توضيح نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر - (ج 1 / ص 30) وشرح شرح نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر - (ج 1 / ص 569)
(4) - *صحيح البخارى برقم (605 )
(5) -* صحيح البخارى برقم (1278 )
(6) - *صحيح مسلم برقم (3700 )
[وما أشبههُ, كُله مرفوعٌ على الصَّحيح الَّذي قالهُ الجُمهور] .
قال ابن الصَّلاح: لأنَّ مُطْلق ذلك يَنْصرف بظاهرهِ إلى من له الأمر والنَّهي, ومن يجب اتِّباع سُنَّته, وهو رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - .
وقال غيره: لأنَّ مقصود الصَّحابي بيان الشَّرع لا اللغة ولا العادة, والشَّرع يتلقى من الكِتَاب والسُّنة والإجْمَاع والقِياس ولا يصح أن يريد أمر الكتاب, لكون ما في الكتاب مَشْهورًا يعرفه النَّاس, ولا الإجماع, لأنَّ المُتكلم بهذا من أهل الإجماع, ويستحيل أمره نفسه, ولا القياس, إذ لا أمر فيه, فتعيَّن كَوْن المُرَاد أمر الرَّسُول - صلى الله عليه وسلم - .
وقيل: ليسَ بمرفوعٍ, لاحتمال أن يَكُون الآمر غيره, كأمر القُرآن, أو الإجْمَاع, أو بعض الخُلفاء, أو الاستنباط, وأن يريد سنة غيره.
وأُجيب بِبُعدِ ذلك, مع أنَّ الأصل الأوَّل, وقد روى البُخَاري في «صحيحه» (312) من حديث ابن شِهَاب, عن سالم بن عبد الله بن عُمر, عن أبيه, في قِصَّتهِ مع الحَجَّاج حينَ قال له: إن كُنتَ تُريد السُّنة فهَجِّر بالصَّلاة. قال ابن شِهَاب: فقلتُ لِسَالم أفعلهُ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - ؟ فقال: وهل يَعْنُون بذلكَ إلاَّ سُنَّته.
فنقلَ سَالم, وهو أحد الفُقهاء السَّبعة من أهل المدينة, وأحد الحُفَّاظ من التَّابعين عن الصَّحابة أنَّهم إذا أطلقُوا: السُّنة, لا يُريدون بذلكَ إلاَّ سُنَّة النَّبي - صلى الله عليه وسلم - .
وأمَّا قولُ بعضهم: إن كانَ مرفوعًا, فلمَ لا يَقُولون فيه: قال رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - .
فجَوَابه: أنَّهم تَرَكُوا الجَزْم بذلكَ تورعًا واحتياطًا, ومن هذا قولُ أبي قِلابة, عن أنَسٍ: من السُّنة, إذا تَزَوَّج البِكْر على الثَّيب أقامَ عندهَا سبعًا. أخرجاه (313) . قال أبو قِلابة: لو شئتُ لقلت: إنَّ أنَسًا رفعهُ إلى النَّبي - صلى الله عليه وسلم - . أي: لو قلتُ لم أكْذِب, لأنَّ قوله: من السُّنة, هذا معناه, لكن إيراده بالصِّيغة التي ذكرهَا الصَّحابي أولَى, وخَصَّص بعضهم الخلاف بغير الصديق, أمَّا هو فإن قال ذلك فمرفوعٌ بلا خلاف.
قلت: ويُؤيد الوقف في غيره, ما أخرجه ابن أبي شيبة في «المصنَّف» (314) عن حنظلة السَّدوسي قال: سمعتُ أنس بن مالك يقول: كان يُؤمر بالسَّوط فتُقطع ثمرتهُ ثمَّ يُدَق بين حَجَرين, ثمَّ يُضْرب به, فقلتُ لأنس في زمانِ مَنْ كان هذا؟ قال في زَمَانِ عُمر بن الخطَّاب.فإن صرَّح الصَّحابي بالأمر, كقوله: أَمرنَا رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - , فلا خِلافَ فيه, إلاَّ ما حُكي عن داود وبعض المُتكلمين: أنَّه لا يكون حُجَّة حتى ينقل لفظه, وهذا ضعيف, بل باطل, لأنَّ الصَّحابي عدلٌ عارف باللِّسان, فلا يطلق ذلك إلاَّ بعد التحقيق.
قال البَلْقيني (315) : وحكم قوله: من السُّنة, قولُ ابن عبَّاس في متعة الحجِّ: سُنَّة أبي القاسم (316) .
وقول عَمرو بن العَاص في عِدَّة أمِّ الولد: لا تَلْبسُوا علينا سُنَّة نبينا. رواه أبو داود (317) .
وقول عُمر في المَسْح: أصَبْت السُّنة. صحَّحهُ الدَّارقُطْني في «سُننه» (318) .
قال: وبعضها أقرب من بعض, وأقربها للرَّفع: سُنة أبي القاسم, ويليها: سُنَّة نبينا, ويلي ذلك: أصبتَ السُّنة.
[ولا فرقَ بين قوله] أي: الصَّحابي ما تقدَّم [في حياةِ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - أو بعده] أمَّا إذا قال ذلك التَّابعي, فجزم ابن الصبَّاغ في العِدَّة أنَّهُ مرسل, وحكى فيه إذَا قالهُ ابن المُسيب وجْهين: هل يَكُون حُجَّة أو لا ؟ وللغزالي فيه احتمالان بلا ترجيح, هل يَكُون موقوفًا, أو مرفُوعًا مُرسلًا.
وكذا قوله: من السُّنة له وجْهانِ, حكاهما المُصنِّف في «شرح مسلم» (319) وغيره, وصحَّح وقفه, وحَكَى الدَّاودي الرفع عن القديم.
تكملة:
من المرفُوع أيضًا: ما جاء عن الصَّحابي, ومثلهُ لا يُقَال من قبلَ الرَّأي, ولا مَجَال للاجتهاد فيه, فيُحمل على السَّماع, جزمَ به الرَّازي في «المحصول» وغير واحد من أئمة الحديث.
وترجم على ذلك الحاكم في كتابه (320) : معرفة المسانيد التي لا يذكر سندها, ومثَّله بقول ابن مسعود: من أتَى سَاحرًا أو عَرَّافا فقَدْ كَفرَ بما أُنزِلَ به مُحمَّد - صلى الله عليه وسلم - (321) .
وقد أدخلَ ابن عبد البرِّ في كتابه «التَّقصي» عِدَّة أحاديث من ذلك, مع أنَّ موضوع الكتاب للمرفوعة, منها: حديث سهل بن أبي حَثْمة في صَلاة الخَوْفِ, وقال في «التمهيد» (322) : هذا الحديث موقوف على سهل, ومثلهُ لا يُقَال من قبل الرَّأي.
نقل ذلك العِرَاقي وأشار إلى تخصيصه بصحابي لم يأخذ عن أهل الكتاب.
وصرَّح بذلك شيخ الإسْلام في «شرح النُّخبة» جازمًا, ومثَّله بالإخبار عن الأمُور المَاضية من بدء الخَلْق, وأخبار الأنباء الآتية, كالمَلاحم والفِتن, وأحْوَال يوم القِيَامة, وعمَّا يحصل بفعله, ثواب مخصوص, أو عِقَاب مخصُوص.
قال: ومن ذلك فعله ما لا مجال للاجتهاد فيه, فينزل على أنَّ ذلك عنده عن النَّبي - صلى الله عليه وسلم - , كما قال الشَّافعي في صلاة عليٍّ في الكُسوف: في كلِّ ركعة أكثر من رُكوعين (323) . تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي - (ج 1 / ص 128)