يتبين من شرح التعريف أن التواتر لا يتحقق في الخبر إلا بشروط أربعة وهي:
أن يرويه عدد كثير .وقد اختلف في أقل الكثرة على أقوال المختار أنه عشرة أشخاص [1]
(1) -* تدريب الراوي جـ2 ـ ص 177 .
قلت: وفي هذا الترجيح نظر ، فقد يكونون دون ذلك أو أكثر من ذلك ، وذلك حسب عدالتهم وضبطهم ، ونوع الحديث الذي رووه .
ورجح العلامة ابن حزم بما رواه اثنان من أول السند إلى آخره
وفي الأحكام لابن حزم - (ج 1 / ص 94) فما بعدها:
قال علي: وقد اختلف الناس في مقدار عدد النقلة للخبر الذي ذكرنا، فطائفة قالت: لا يقبل الخبر إلا من جميع أهل المشرق والمغرب، وقالت طائفة: لا يقبل إلا من عدد لا نحصيه نحن.
وقالت طائفة: لا يقبل أقل من ثلاثمائة وبضعة عشر رجلا، عدد أهل بدر، وقالت طائفة لا يقبل إلا من سبعين.
وقالت طائفة: لا يقبل إلا من خمسين، عدد القسامة، وقالت طائفة لا يقبل إلا من أربعين لانه العدد الذي لما بلغه المسلمون أظهروا الدين، وقالت طائفة: لا يقبل إلا من عشرين، وقالت طائفة: لا يقبل إلا من اثني عشر، وقالت طائفة: لا يقبل إلا من خمسة، وقالت طائفة: لا يقبل إلا من أربعة وقالت طائفة: لا يقبل إلا من ثلاثة، لقول رسول الله ( - صلى الله عليه وسلم - ) حتى يقول ثلاثة من ذوي الحجى من قومه إنه قد نزل به جائحة، وقالت طائفة: لا يقبل إلا من اثنين.
قال علي: وهذه كلها أقوال بلا برهان، وما كان هكذا فقد سقط.
ويكفي في إبطال ذلك أن ننبه كل من يقول بشئ من هذه الحدود على أن يقيس كل ما يعتقد صحته من أخبار دينه ودنياه، فإنه لا سبيل له البتة إلى أن يكون شئ منها صح عنده بالعدد الذي شرط كل واحد من ذلك العدد عن مثل ذلك العدد كله.
وهكذا متزايدا حتى يبلغ إلى تحقيق ذلك الخبر من دينه أو دنياه، فحصل من كل قول منها بطلان كل خبر جملة، ولا نحاشي شيئا لانه وإن سمع هو بعض الاخبار من العدد الذي شرط، فلا بد أن يبطل تلك المرتبة فيما فوق ذلك.
وكل قول أدى إلى الباطل فهو باطل بلا شك، وبالله تعالى التوفيق، فلم يبق إلا قول من قال بالتواتر ولم يحد عددا.
قال علي: ونقول ههنا إن شاء الله تعالى قولا باختصار، فنقول وبالله تعالى التوفيق: لكل من حد في عدد نقلة خبر التواتر حدا لا يكون أقل منه يوجب تيقن صدقه ضرورة من سبعين أو عشرين، أو عدد لا نحصيهم، وإن كان في ذاته محصي ذاعدد محدود، أو أهل المشرق والمغرب، ولا سبيل إلى لقائه ولا لقاء أحد لهم كلهم ولا بد له من الاقتصار على بعضهم دون بعض بالضرورة، ولا بد من أن يكون لذلك التواتر الذي يدعونه في ذاته عدد إن نقص منه واحد لم يكن متواترا، وإلا فقد ادعوا ما لا يعرف أبدا ولا يعقل.
فإذن لا بد من تحديد عدد ضرورة، فنقول لهم: ما تقولون إن سقط من هذا الحد الذي حددتم واحد، أيبطل سقوط ذلك الواحد قبول ذلك الخبر أم لا يبطله ؟ فإن قال: يبطله، تحكم بلا برهان، وكل قول بمجرد الدعوى بلا برهان فهو مطروح ساقط، فإن قال بقبوله أسقطنا له آخر ثم آخر، حتى يبلغ إلى واحد فقط، وإن حد عددا سئل عن الدليل على ذلك فلا سبيل له إليه البتة.
وأيضا فإنه ما في القول فرق بين ما نقله عشرون وبين ما نقله تسعة عشر، ولا بين ما نقله سبعون ولا ما نقله تسعة وستون، وليس ذكر هذه الاعداد في القرآن وفي القسامة وفي بعض الاحوال وفي بعض الاخبار بموجب ألا يقبل أقل منها في الاخبار، وقد ذكر تعالى في القرآن أعدادا غير هذه، فذكر تعالى الواحد والاثنين والثلاثة والاربعة والمائة ألف وغير ذلك، ولا فرق بين ما تعلق
بعدد منها وبين ما تعلق بعدد آخر منها، ولم يأت من هذه الاعداد في القرآن شئ في باب قبول الاخبار ولا في قيام حجة بهم، فصارف ذكرها إلى ما لم يقصد بها مجرم وقاح محرف للكلم عن مواضعه، وإن قال: لا يبطل قبول الخبر بسقوط واحد من العدد الذي حد - كان قد ترك مذهبه الفاسد، ثم سألناه عن إسقاط آخر أيضا مما بقي من ذلك العدد، وهكذا حتى يبعد عما حد بعدا شديدا، فإن نظروا هذا بما يمكن حده من الاشياء كانوا مدعين بلا دليل، ومشبهين بلا برهان، وحكم كل شئ يجعله المرء دينا له أن ينظر في حدوده ويطلبها، إلا ما أصبح إجماع أو نص أو أوجبت طبيعة ترك طلب حده، وقد قال بعضهم: لا يقبل من الاخبار إلا ما نقلته جماعة لا يحصرها العدد.
قال أبو محمد: وهذا قول من غمره الجهل، لانه ليس هذا موجدا في العالم أصلا، وكل ما فيه فقد حصره العدد وإن لم نعلمه نحن، وإحصاؤه ممكن لمن تكلف ذلك، فعلى هذا القول الفاسد قد سقط قبول جميع الاخبار جملة وسقط كون النبي ( - صلى الله عليه وسلم - ) في العالم وهذا كفر.
وأيضا فيلزم هؤلاء وكل من حد في عدد من لا تصح الاخبار بأقل من نقل ذلك العدد أمر فظيع يدفعه العقل ببديهته، وهو أن لا يصح عندهم كل أمر يشهده أقل من العدد الذي حدوا، وألا يصح عندهم كل أمر حصره عدد من الناس، وكل أمر لم يحصره أهل المشرق والمغرب، فتبطل الاخبار كلها ضرورة على حكم هذه الاقوال الفاسدة، وهم يعرفون بضرورة حسهم صدق أخبار كثيرة من موت وولادة ونكاح وعزل وولاية واغتفال منزل، وخروج عدو شر واقع، وسائر عوارض العالم مما لا يشهده الا النفر اليسير، ومن خالف هذا فقد كابر عقله ولم يصح عنده شئ مما ذكرنا أبدا، لا سيما إن كان ساكنا في قرية ليس فيها إلا عدد يسير، مع أنه لا سبيل له إلى لقاء أهل المشرق والمغرب.
قال علي: فإن سألنا سائل، فقال: ما حد الخبر الذي يوجب الضرورة ؟ فالجواب وبالله تعالى التوفيق أننا نقول: إن الواحد من غير الانبياء المعصومين بالبراهين عليهم السلام - قد يجوز عليه تعمد الكذب، يعلم ذلك بضرورة الحس، وقد يجوز على جماعة كثيرة أن يتواطؤوا على كذبة إذا اجتمعوا ورغبوا أو رهبوا.
ولكن ذلك لا يخفى من قبلهم، بل يعلم اتفاقهم على ذلك الكذب بخبرهم إذا تفرقوا لا بد من ذلك.
ولكنا نقول إذا جاء اثنان فأكثر من ذلك، وقد تيقنا أنهما لم يلتقيا، ولا دسسا، ولا كانت لهما رغبة فيما أخبر به، ولا رهبة منه، ولم يعلم أحدهما بالآخر، فحدث كل واحد منهما مفترقا عن صاحبه بحديث طويل لا يمكن أن يتفق خاطر اثنين على توليد مثله، وذكر كل واحد منهما مشاهدة أو لقاء لجماعة شاهدت أو أخبرت عن مثلها بأنها شاهدت، فهو خبر صدق يضطر بلا شك من سمعه إلى تصديقه ويقطع على غيبه.
وهذا الذي قلنا يعلمه حسا من تدبره ورعاه فيما يرده كل يوم من أخبار زمانه من موت أو ولادة أو نكاح أو عزل أو ولاية أو وقعة وغير ذلك، وإنما خفي ما ذكرنا على من خفي عليه لقلة مراعاته يمر به، ولو أنك تكلف إنسانا واحدا اختراع حديث طويل كاذب لقدر عليه، يعلم ذلك بضرورة المشاهدة، فلو أدخلت اثنين في بيتين لا يلتقيان، وكلفت كل واحد منهما توليد حديث كاذب لما جاز بوجه من الوجوه أن يتفقا فيه من أوله إلى آخره.
هذا ما لا سبيل إليه بوجه من الوجوه أصلا، وقد يقع في الندرة التي لم نكد نشاهدها اتفاق الخواطر على الكلمات اليسيرة، والكلمتين نحو ذلك.
والذي شاهدنا اتفاق شاعرين في نصف بيت، شاهدنا ذلك مرتين من عمرنا فقط.
وأخبرني من لا أثق به: أن خاطره وافق خاطر شاعر آخر في بيت كامل واحد،ولست أعلم ذلك صحيحا.
وأما الذي لا أشك فيه وهو ممتنع في العقل، فاتفاقهما في قصيدة بل في بيتين فصاعدا.
والشعر نوع من أنواع الكلام، ولكل كلام تأليف ما، والذي ذكره المتكلمون في الاشعار من الفصل الذي سموه المواردة، وذكروا أن خواطر شعراء اتفقت في عدة أبيات، فأحاديث مفتعلة لا تصح أصلا ولا تتصل.
وما هي إلا سراقات وغارات من بعض الشعراء على بعض.
قال علي: وقد يضطر خبر الواحد إلى العلم بصحته إلا أن اضطراره ليس بمطرد، ولا في وقت ولكن على قدر ما يتهيأ.
وقد بينا ذلك في كتاب الفضل.
قال علي: فهذا قسم.
قال علي: القسم الثاني من الاخبار ما نقله الواحد عن الواحد، فهذا إذا اتصل برواية العدول إلى رسول الله ( - صلى الله عليه وسلم - ) وجب العمل به، ووجب العلم بصحته أيضا، وبين هذا وبين شهادة العدول فرق نذكره إن شاء الله تعالى، وهو قول الحارث بن أسد المحاسبي، والحسين بن علي الكرابيسي.
وقد قال به أبو سليمان، وذكره ابن خويز منداد عن مالك بن أنس، والبرهان على صحة وجوب قبوله قول الله عز وجل: الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون) * فأوجب الله تعالى على كل فرقة نذارة النافر منها بأمره بالنفقة وبالنذارة، ومن أمره الله تعالى بالتفقه في الدين وإنذار قومه، فقد انطوى في هذا الامر إيجاب قبول نذارته على من أمره بإنذارهم.
والطائفة في لغة العرب التي بها خوطبنا يقع على الواحد فصاعدا، وطائفة من الشئ بمعنى بعضه هذا ما لا خلاف بين أهل اللغة فيه، وإنما حد من حد في قوله تعالى وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين) أنهم أربعة لدليل ادعاه، وكان بذلك ناقضا لمعهود اللغة، ولم يدع قط قائل ذلك القول أن الطائفة في اللغة لا تقع
إلا على أربعة.
وأما نحن فاللازم عندنا أن يشهد عذاب الزنى واحد على ما نعرف من معنى الطائفة، فإن شهد اكثر فذلك مباح والواحد يجزي.
وبرهان آخر، وهو أن رسول الله ( - صلى الله عليه وسلم - ) بعث رسولا إلى كل ملك من ملوك الارض المجاورين لبلاد العرب، وقد اعترض بعض من يخالفنا في ذلك بأن قال: إن الرفاق والتجار، وردوا بأمر النبي ( - صلى الله عليه وسلم - ) فلم يقتصر بذلك على الرسول وحده.
قال أبو محمد: وهذا شغب وتمويه لا يجوز إلا على ضعيف، ونحن لا نشك أن النبي ( - صلى الله عليه وسلم - ) لم يقتصر بالرسل المذكورين على الاخبار بظهوره ومعجزاته المنقولة بخير الرفاق والسفار، بل أمرهم بتعليم من أسلم شرائع الاسلام ومسائل العبادات والاحكام، ليس من شئ من ذلك منقولا على ألسنة الرفاق والسفار، وبعثه هؤلاء الرسل مشهورة بلا خوف، منقولة نقل الكواف.
فقد ألزم النبي ( - صلى الله عليه وسلم - ) كل ملك.
ورعيته قبول ما أخبرهم به الرسول الموجه نحوهم من شرائع دينهم.
قال علي: وكذلك بعث رسول الله ( - صلى الله عليه وسلم - ) معاذا إلى الجند وجهات من اليمن.
وأبا موسى إلى جهة أخرى، وهي زبيد وغيرها، وأبا بكر على الموسم مقيما للناس حجهم، وأبا عبيدة إلى نجران، وعليا قاضيا إلى اليمن، وكل من هؤلاء مضى إلى جهة ما، معلما لهم شرائع الاسلام، وكذلك بعث أميرا إلى كل جهة أسلمت، بعدت منه أو قربت، كأقصى اليمن والبحرين وسائر الجهات والاحياء والقبائل التي أسلمت، بعث إلى كل طائفة رجلا معلما لهم دينهم، ومعلما لهم القرآن، ومفتيا لهم في أحكام دينهم، وقاضيا فيما وقع بينهم، وناقلا إليهم ما يلزمهم عن الله تعالى ورسوله ( - صلى الله عليه وسلم - ) وهم مأمورون بقبول ما يخبرونهم به على نبيهم ( - صلى الله عليه وسلم - ) .
وبعثه هؤلاء المذكورين مشهورة بنقل التواتر من كافر ومؤمن، لا يشك فيها أحد من العلماء ولا من المسلمين، ولا في أن بعثهم إنما كانت لما ذكرنا من المحال الباطل الممتنع أن يبعث إليهم رسول الله ( - صلى الله عليه وسلم - ) من لا تقوم عليهم الحجة بتبليغه، ومن لا يلزمهم قبول ما علموهم من القرآن وأحكام الدين وما أفتوهم به في الشريعة، ومن لا يجب عليهم الانقياد لما أخبروهم به من كل ذلك عن رسول الله ( - صلى الله عليه وسلم - ) ، إذ لو كان ذلك لكانت بعثته لهم فضولا، ولكان عليه السلام قائلا للمسلمين: بعثت إليكم من لا يجب عليكم أن تقبلوا منه ما بلغكم عني، ومن حكمكم ألا تلتفتوا إلى ما نقل إليكم عني وألا تسمعوا منه ما أخبركم به عني، ومن قال بهذا فقد فارق الاسلام.
وكذلك من نشأ في قرية أو مدينة ليس بها إلا مقرئ واحد، أو محدث واحد، أو مفت واحد، فنقول لمن خالفنا: ماذا تقولون ؟ أيلزمه إذا قرأ القرآن على ذلك المقرئ أن يؤمن بما أقرأه، وأن يصدق بأنه كلام الله تعالى، ويثبت على ذلك أم عليه أن يشك، ولا يصدق بأنه كلام الله عز وجل ؟ فإن قالوا: يلزمه الاقرار بأنه كلام الله تعالى.
قلنا: صدقتم، فأي فرق بين نقلهم للقرآن وبين نقلهم لسائر السنن، وكلاهما من عند الله تعالى، وكلاهما فرض قبوله ؟ وإن قالوا: عليه أن يشك فيه حتى يلقى الكواف، أتوا بعظيمة في الدين ونسألهم حينئذ فيمن لقي من ذلك اثنين أو ثلاثة أو أربعة، فلابد لهم من حد يقفون عنده من العدد، فيكون قولهم سخريا وباطلا، ودعوى بلا برهان،أو يحيلوا على معدوم فيما لا يصح على قولهم قبول القرآن والدين إلا به، وفي هذا إبطال للدين والقرآن جملة، والمنع من اعتمادهما، ونعوذ بالله من هذا، وهكذا القول في وجوب طاعة من أخذ عن أولئك الرسل قرآنا أو سنة وبلغ
ذلك إلى غيره، ولانها بلاد واسعة لا سبيل لكل واحد من أولئك الرسل إلى لقاء جميعهم من رجل وامرأة، لكن يبلغ ويبلغ من بلغه هو وهكذا أبدا لئلا يقول جاهل هذا خصوص لاولئك الرسل.
وقال تعالى: * (يأيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا أن تصيببوا قوما بجهالة الآية.
قال أبو محمد: لا يخلو النافر للتفقه في الدين من أن يكون عدلا أو فاسقا ولا سبيل إلى قسم ثالث، فإن كان فاسقا فقد أمرنا بالتبين في أمره وخبره من غير جهته فأوجب ذلك سقوط قبوله، فلم يبق إلا العدل.
فكان هو المأمور بقبول نذارته.
قال أبو محمد: وهذا برهان ضروري لا محيد عنه رافع للاشكال والشك جملة.
وقد بينا هذا النوع من البرهان في كتابنا في حدود الكلام المعروف بالتقريب قال علي: وقد توهم من لا يعلم أنا إنما أوجبنا قبول خبر العدل من قوله تعالى: ا إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا أن تصيببوا فقط.
قال أبو محمد: وقد أغفل من تأول علينا ذلك، ولو لم تكن إلا هذه الآية وحدها لما كان فيها ما يدل على قبول خبر العدل ولا على المنع من قبوله، بل إنما منع فيها من قبول خبر الفاسق فقط وكان يبقى خبر العدل موقوفا على دليله، ولكن لما استفاضت هذه الآية التي فيها المنع من قبول خبر الفاسق إلى الآية التي فيها قبول نذارة النافر للتفقه، صارتا مقدمتين أنتجتا قبول خبر الواحد العدل دون الفاسق بضرورة البرهان وبالله تعالى التوفيق.