لِهَذِهِ الْأُمَّةِ خَصَّهُمْ بِهَا دُونَ سَائِرِ الْأُمَمِ، ثُمَّ قَيَّضَ اللهُ لِكُلِّ عَصْرٍ جَمَاعَةً مِنْ عُلَمَاءِ الدِّينِ، وَأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ، يزَكُّونَ رُوَاةَ الْأَخْبَارِ وَنَقَلَةَ الْآثَارِ ليَذُبُّوا بِهِ الْكَذِبَ عَنْ وَحْيِ المَلِكِ الْجَبَّارِ، فَمِنْ هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةِ:
أبَو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْجُعْفِيُّ، وَأَبُو الْحُسَيْنِ مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ الْقُشَيْرِيُّ ﵄، صَنَّفا فِي صَحِيحِ الْأَخْبَارِ كِتَابَيْنِ مُهَذَّبَيْنِ انْتَشَرَ ذِكْرُهُمَا فِي الْأَقْطَارِ، وَلَمْ يَحْكُمَا وَلَا وَاحِدٌ مِنْهُمَا أَنَّهُ لَمْ يَصحَّ مِنَ الْحَدِيثِ غَيْرُ مَا خَرَّجَهُ، وَقَدْ نبَغَ (١) فِي عَصْرِنَا هَذَا جَمَاعَة مِنَ الْمُبْتَدِعَةِ يَشْمَتُونَ (٢) بِرُوَاةِ الْآثَارِ، بِأَنَّ جَمِيعَ مَا يَصِحُّ عِنْدَكُمْ (٣) مِنَ الْحَدِيثِ لَا يَبْلُغُ عَشَرَةَ آلَافِ حَدِيثٍ، وَهَذِهِ الْمَسَانِيدُ الْمَجْمُوعَةُ (٤) الْمُشْتَمِلَةُ عَلَى أَلْفِ جُزْءٍ أَقَل وأَكْثَرَ (٥) مِنْهُ كُلُّهَا سَقِيمَةٌ غيرُ صَحِيحَةٍ وَقَدْ سَأَلنَي جَمَاعَةٌ مِنْ أَعْيَانِ أَهْلِ الْعِلْمِ بِهَذِهِ الْمَدِينَةِ وَغَيْرِهَا أَنْ أَجْمَعَ كِتَابًا يَشْتَمِلُ عَلَى الْأَحَادِيثِ الْمَرْوِيَّةِ بِأَسَانِيدَ يَحْتَجُّ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، وَمُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ بِمِثْلِهَا، إِذْ لَا سَبِيلَ إِلَى إِخْرَاجِ مَا لَا عِلَّةَ لَهُ، فَإِنَّهُمَا ﵀ لَمْ يَدَّعِيَا ذَلِكَ لِأَنْفُسِهِمَا.
وَقَدْ خَرَّجَ جَمَاعَةٌ مِنْ عُلَمَاءِ عَصْرِهِمَا وَمَنْ بَعْدَهُمَا عَلَيْهِمَا أَحَادِيثَ قَدْ أَخْرَجَاهَا، وَهِيَ مَعْلُولَةٌ، وَقَدْ جَهِدْت فِي الذَّبِّ عَنْهُمَا فِي "الْمَدْخَلِ إِلَى الصَّحِيحِ" بِمَا رَضِيَهُ أَهْلُ الصَّنْعَةِ، وَأَنَا أَسْتَعِينُ اللَّهَ عَلَى إِخْرَاجِ أَحَادِيثَ
(١) في (و) : "وقد ظهر"، وأشار في الحاشية إلى أنها في نسخة أخرى: "وقد نغ".
(٢) في (و) : "شمتون".
(٣) في (و) : "عندهم"، وفي (د) : "صح عندهم".
(٤) في (و) : "المشهورة"، وأشار في الحاشية إلى أنها في نسخة أخرى: "المجموعة".
(٥) في (ح) و (م) : "أو أقل أو أكثر".