نظرية ماركس. تأثر كارل ماركس في بداية حياته بفلسفة هيجل وتفسيره للتاريخ، ولكنه في الفترة بين 1836-1838م، أعاد النظر في قناعته بهذه الفلسفة. فقد اعتقد أن هذه الفلسفة ستكون في وضع أفضل حين تتخلى عن الفكرة المطلقة.
وقد هاجم ماركس رؤية هيجل في أن التطور التاريخي هو نتاج حركة السير من فكرة ونقيضها إلى نتيجة تعلوها مقررًا أن الأوضاع المادية لا تنبع من الفكر ومنطقه، بل إن الفكر ومنطقه منشؤهما الدماغ. فهما لذلك ينبعان من الأوضاع المادية. ولذلك فالتناقض لا يكون ابتداء بين فكرتين، وإنما في واقع مادي. وعلى هذا فالتغيرات التي تحدث في الفكرة ليست إلا انعكاسًا لتغيرات مادية تجري من حولها.
وفي عام 1847م، ارتقت رؤية ماركس الفلسفية إلى تحليل طبيعة الاستغلال في المجتمع الصناعي حيث رفض القول الشائع في عصره بأن مصدر الاستغلال هو ارتفاع أسعار البضائع التي يشتريها الجمهور من السوق، مشيرًا إلى أن تراكم الثروة يبدأ منذ اللحظة الأولى للعملية الإنتاجية، حيث يحرم العامل من الجزء الأكبر من أجره. ومن هذه الرؤية انطلق ماركس في بنائه للنظرية الاقتصادية المعروفة فائض القيمة، ومنها أيضًا تحددت الخطوط العامة لنهجه الفلسفي بشكل عام.
فليست علاقات الإنتاج مؤشرًا على وجود النمط الاستغلالي من عدمه في النظام الاقتصادي القائم فحسب، وإنما هي أيضًا، مؤشر على طبيعة المرحلة التاريخية التي يجتازها مجتمع إنساني ما. فمن خلال علاقات الإنتاج عرف التاريخ الإنساني عهودًا وأنظمة سياسية واقتصادية واجتماعية مختلفة، يحددها ماركس في تحليله المادي للتاريخ على التوالي بالعبودية فالإقطاع، فالبرجوازية فالاشتراكية. والانتقال الاجتماعي من مرحلة تاريخية إلى أخرى هو النتيجة الطبيعية للصراع بين الطبقات، وهو دائمآً يسير إلى الأمام.