ص:15
على حال واحدة، فكيف يكون ذلك، والواقع خاضع لسنة التغيير، سقوطًا ونهوضًا، ولكل حالة حكمها؟
وقد كنتُ أشرتُ -فيما كتبتُ سابقًا- إلى أن القرآن الكريم مصدر التشريع والمعرفة، لم يأت ترتيبه في ضوء أزمنة النزول -على أهمية معرفة أزمنة النزول وأسبابه، لإدراك أبعاد النص الزمانية والمكانية والتطبيقية- حتى لا يتجمد الاجتهاد على حال ووتيرة واحدة، وإنما جاء ترتيبه توقيفيًا، ليمنح مرونة اجتهادية، فيكون لكل حالة حكمها، ولو كان ذلك من أواخر أو أوائل ما نزل من القرآن، فالقرآن كله خالد، ولكل حالة حكمها الملائم، ولا يخرج البيان النبوي عن هذا الإطار القرآني، وإنما هو تنزيل له، وبيان ميداني بتحويل الفكر إلى فعل.
وقولنا: بأن الاجتهادات الكثيرة التاريخية، والتي يمكن تصنيفها في إطار الموروث أو التراث هي اجتهادات لزمانها ومشكلاته وأنها غير ملزمة، لا يعني إلغاءها أو القفز من فوقها، أو عدم معاودة الإفادة منها عند تشابه الحال، وإنما يعني استصحابها والاستئناس بها، والفقه بنظرها الدقيق وآليتها الاجتهادية، لتكون معوانًا لنا على النظر الذي يقتضيه تبدل العصر وتغير مشكلاته.
ومن هنا نرى: أن الكثير مما ورد من الفقه الاجتماعي والدولي والاقتصادي والمالي والإداري والدستوري، ليس ملزمًا إذا تبيّن أن الزمن قد تجاوزه -وهذا بطبيعة الحال لا يرد على الاجتهاد في أحكام العبادات