ص:77
وعليه فإن أمام المسلمين الذين يُعتدى عليهم ثلاثة مسالك مختلفة بحسب مقدرتهم وإمكاناتهم وتقديرهم للظروف المعاصرة لهم.
المسلك الأول: إما أن يصبروا على الأذى والاضطهاد لاستضعافهم، ويتحملوا المشاق مع التمسك بعقيدتهم، وهم معذورن في ذلك لأنهم لا يقدرون على التخلص من أيدي الكافرين، ولو قدروا ما عرفوا يسلكون الطريق، ولو عرفوا ما استطاعوا لأنهم يفتقدون الزاد والراحلة.
وقد يفضلون الصبر على غيره لحاجة في نفوس أئمتهم، كرجاء تحقيق مصلحة كبرى ودرء مفسدة عظمى، فولاة الأمر هناك من علماء ودعاة أعلم بأحوالهم، وأكثر معرفة وإلمامًا بطبيعة المجتمع، ومصلحة الدعوة، ووضع السلطة القائمة، فقد يكون الصبر أجدى وأنجع علاجًا لحالات دون أخرى، وقد قيل قديمًا: (أهل مكة أدرى بشعابها) .
ثم إن هناك أحكامًا شرعية تختلف باختلاف حال الإنسان صحة ومرضًا، قوة وضعفًا، فما يصلح في بلد قد لا يصلح في آخر، فقد يفضلون الالتزام بالآيات-في تلك المرحلة-الآمرة بالصبر والمغفرة والإعراض، بالرغم من أن جماهير الأمة يرون بأنها قد نسختها (1) آية السيف.
المسلك الثاني: وإما أن يكتفوا بصد العدوان، وقتل من يشهر عليهم سلاحًا يبتغي إماتتهم والسطو على أموالهم وأعراضهم، والوقوف في موقع المدافع عن دينه ونفسه وما يتعلق بها، ولا يتجاوزون في ذلك
(1) النسخ:"رفع الحكم الشرعي بدليل شرعي آخر متأخر"إرشاد الفحول ص: 184