منافعهما فكثيرة لا تحصى. وإنما تقع مضارها مع إكثار وتجاوز المقدار فأما الاقتصار فلم يكن لشاربيها قبل التحريم فيها مضار. فمن منافعها ما يصيبه للناس من أثمانها ولو لم تعتصر الأعناب لبارت على أهلها. ومن ذلك منفعتها الجسم لأنها تدر الدم وتقوي المنة وتصفي اللون وتبعث النشاط وتفتق اللسان ما أخذ منها بقدر الحاجة فإذا أخذ الإفراط فكل شيء مع الإفراط يضر.
وكأنت الأوائل تقول: الخمر حبيبة الروح وكان رجل من قدماء الأطباء إذا دخل على عليل لم ير فيه موضعًا لسقي الدواء سقاه الخمر الريحانية الممزوجة بالماء ليلقي الروح بحبيبه ويبعث من النفس بالمسرة ما قد أسقطه الداء فإن رأى العليل قد قوي قليلًا واحتمل بعض الدواء عالجه. قالوا: ولذلك اشتق لها اسم من الروح فسميت راحًا وأصل الراح والروح والرَّوح من موضع وأحد الا أنهم خالفوا بينها في البناء ليدل كل واحد منها على معناه ويقارب معانيها كتقارب أسمائها فالروح روح الأجسام والروح النفخ لأنه ريح يخرج عن الروح والروح طيب النسيم والروح هي الريح الهابة.
والراح على فعل وأصله روح فقلبت واوه ألفًا لما أنفتحت ما قبلها ثم اشتقوا الريحان من ذلك لرائحته وربما سموا الخمر روحًا قال النظام:
مازلت أخذ روح الزق في لطف ... وأستبيح دما من غير مجروح
حتى انثنيت ولي روحان في جسدي ... والزق مطرح جسم بلا روح
وربما سموا الخمر دمًا لأنها تزيد في الدم والنفس تتصل بالدم. وكذلك قالوا: نفست المرأة إذا حاضت. وقالوا نفساه لسيلأن الدم. قال المسلم:
خلطنا دمًا من كرمة بدمائنا ... فاظهر في الألوان من الدم الدم
وحدثني الرياشي عن مورج عن سعد بن سماك عن أبيه عن عبيد راوية الاعشي قالت: قلت للأعشى: اخبرني عن قولك
ومدامة مما تعيق بابل ... كدم الذبيح سلبتها جريالها
فقال: شربتها حمراء وبلتها بيضاء يريدان حمرتها صارت دمًا. وقال الطثرية
ويوم كظل الرمح قصر طوله ... دم الزق عنا واصطفاق المزاهر
وفي الخمر انها تسخي البخيل وتستخرج من اللئيم. قال عمرو بن كلثوم: