لقد طوحتني في البلاد مضاعا ... طوائح جاءت بالخطوب تباعا
فبارحت أرضًا ما ملأت حقائبي ... سوى حبها عند البراح متاعا
عتبت عليّ بغداد عتب مودع ... أمضته فيها الحادثات قراعا
أضاعتني الأيام فيها ولو درت ... لعز عليها أن أكون مضاعا
لقد أرضعتني كل خسف وإنني ... لأشكرها إن لم تتمّ رضاعا
وما أنا بالجاني عليها وإنما ... نهضت خصامًا دونها ودفاعا
وأعملت أقلامي بها عربيةً ... فلم تبد إصغاءً لها وسماعا
ولو كنت أدري أنها أعجمية ... تخذت بها السيف الجزاز يراعا
ولو شئت كايلت الذين انطووا بها ... على الحقد صاعًا بالعداء فصاعا
ولكن هي النفس التي قد أبت لها ... طباع المعالي أن تسوء طباعا
أبيت عليهم أن أكون بذلةٍ ... وتأبى الضواري أن تكون ضباعا
على أنني داريت ما شاء حقدهم ... فلم يجد نفعًا ما أتيت وضاعا
وأشقى الورى نفسًا وأضيعهم نهىً ... لبيب يداري في نهان رعاعا
تركت من الشعر المديح لأهله ... ونزهت شعري أن يكون فذاعا
وأنشدته يجلو الحقيقة بالنهى ... ويكشف عن وجه الصواب قناعا
وأرسلته عفوًا فجاء كما ترى ... قوافي تجتاب البلاد سراعا
وقفت غداة البين في الكرخ وقفةً ... لها كربت نفسي تطير شعاعا
أودع أصحابي وهم محدقون بي ... وقد ضقت بالبين المشت ذراعا
أودعهم في الكرخ والطرف مرسل ... إلى الجانب الشرقي منه شعاعا
وأدعم رأسي بالأصابع مطرقًا ... كأن برأسي يا أميم صداعا
وكنت أظن البين سهلًا فمذاتي ... شرى البين مني ما أراد وباعا
وإني جبان في فراق أحبتي ... وإن كنت فيغير الفراق شجاعا
كأني وقد جدّ الفراق سفينة ... أشالت على الريح الهجوم شراعا
فمالت بها الأرواح والبحر مائج ... وقد أوشكت ألواحها تتداعى
فتحسبني من هزة فيّ أفدعًا ... ترقى هضابًا زلزلت وتلاعا