فهرس الكتاب

الصفحة 1810 من 6802

قرأت ما نقلتموه عن تاريخ ابن الساعي من أمر الفتوة والفتيان وذهبتم إلى أنها بجمعية سياسية والأليق أن يقال أنها جمعية للإنسانية تعاهد المنتظمون في سلوكها على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتقويم المعوج وإغاثة الملهوف وقرى الضيف وما أشبه ذلك من مكارم الأخلاق ولما كان لا بد لمن نصب نفسه للقيام بهذه المقاصد من فرط القوة والنجدة وتوفر الحمية والحفيظة فكان لا بد في هذه الحالة من أن تثور تلك الحمية التي قد تنقلب أحيانًا حمية جاهلية وتدخل فيها المنافسات والمناظرات والتساجل بقوة الساعد ووثاقة العضل أو حسن الرماية أو إتقان المضاربة والمطاعنة مما قد يبعد بالجمعية عن أصل وضعها ويصيرها نوعًا مما يقال له مشيخة شباب في بلادنا فيلبس الفتيان سراويلات مخصوصة ويتنافسون في أمور هي محض جهالة ودعارة وإن كان أصل المقصد ساميًا شريفًا فقد احتوت هذه الجمعية في وقتها على ما يمدح ويذم شأن سواها من الجمعيات وقد كان يعاب على الخليفة الناصر العباسي اشتغاله بهذه المسائل فقرأت في تاريخ أبي الفداء صاحب حماه في حوادث سنة سبع وستمائة أنه وردت في تلك السنة رسل الخليفة الناصر لدين الله إلى ملوك الأطراف أن يشربوا له كأس الفتوة ويلبسوا لها سراويلها وأن ينتسبوا إليه في رمي البندق ويجعلوه قدوتهم أهـ لا جرم أن هذا مما يترفع عنه الخلفاء ولا يليق بأصحاب هاتيك المقامات ثم أنه يقول عند ذكر وفاة الخليفة المذكور أنه كان قبيح السيرة منصرف الهمة إلى رمي البندق والطيور المناسيب ويلبس سراويلات الفتوة ومنع رمي البندق لا من ينسب إليه فأجابه الناس إلى ذلك إلا إنسانًا واحدًا يقال له ابن السفت وهرب من بغداد إلى الشام أهـ ثم أننا وجدنا آثار هذه الجمعية في القرون المتأخرة فقد أخبر ابن بطوطة من أهل القرن الثامن بوجودها في الأناضول وهي متلونة هناك بلون أبنائها من كرم الخلق وحسن السريرة فإن الجمعيات تدخل كل البلاد فتتلون في كل بلد بأخلاق أهله وتحمل طباعهم ولهذا امتدحها السائح الطنجي امتداحًا فائقًا في رحلته الشهيرة فقال: ذكر الأخية الفتيان واحد الأخية أخي على لفظ الأخ إذا أضافه المتكلم إلى نفسه وهم بجميع البلاد التركمانية الرومية في كل بلد ومدينة وقرية ولا يوجد في الدنيا مثلهم أشد احتفالًا بالغرباء من الناس وأسرع إلى إطعام الطعام وقضاء الحوائج والأخذ على أيدي الظلمة وقتل الشرط ومن لحق بهم من أهل الشر والأخي عندهم رجل يجتمع أهل صناعته

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت