فهرس الكتاب

الصفحة 2907 من 6802

من خطبة لرفيق بك العظم ألقاها في مدرسة القضاء الشرعي في القاهرة

ليس المراد بقضاء الجماعة هو قضاء هيئة مؤلفة من أكثر من واحد فقط كما قد يتبادر إلى الذهن بل هي بالمعنى المشترك أيضًا جعل قوة التشريع القضائي مصونة عن رأي الأفراد وتفردهم بالتشريع منوطة بالجماعة تثبتًا من الحكم واطمئنانًا للدليل واعتمادًا على ما هو الأصلح عند الجماعة إذا تعذر وجود النص.

إن مراعاة الأصلح قاعدة من أهم قواعد التشريع الإسلامي التي يدفع بها الحرج وتدرأ المفاسد عن المجتمع حتى لقد كان كبار الصحابة يراعون قاعدة الأصلح عند الضرورة مع وجود النص ويتنازعون عَلَى المسألة الواحدة يجيء بها النص من عدة روايات أو يحتاج إلى التفهم الدقيق تثبتًا من الحكم ورغبة بمحض الخير للأمة والعدل بين المتقاضين وبذلًا للجهد في بيان الحقيقة للمستفتين وقد قال ابن القيم تنازع الصحابة في كثير من الأحكام ولكن لم يتنازعوا في مسألة واحدة من مسائل الأسماء والصفات والأفعال. أي المسائل التي تتعلق بالأيمان.

قلنا أن المراد بقضاء الجماعة جعل قوة التشريع القضائي في حياز جماعة لا فرد لأن ذلك أسلم وأبعد عن الخطأ وأضمن للعدل وسببه أن الأحكام التي يرجع فيها إلى الرأي والاجتهاد أو القياس عند تعذر وجود النص أو عند لوم ترجيح رواية من الروايات تحتاج إلى شروط قلما تتوفر في الفرد الواحد وإن توفرت له فربما لا يتيسر له تحري المصلحة وتطبيق الحكم عليها من كل وجه بحيث لا يخالفه فيه غيره ممن هو في طبقته من أهل العلم.

اعتبروا ذلك في أئمة المذاهب المجتهدين فإنه مع بذل كل واحد منهم في تقرير فروع المذهب وأصوله منتهى الجهد في تحري صحيح الآثار والأخبار وتتبع أصول الشريعة فقد اختلفوا في كثير من المسائل واختلف اتباعهم بعد ذلك اختلافهم أيضًا فكان من ذلك انقسام القضاء الإسلامي عَلَى نفسه حتى وجد في بعض العصور أربعة قضاة لأربعة مذاهب في مصر واحد من الأمصار الإسلامية هذا فضلًا عن اختلاف فقهاء كل مذهب أيضًا في المسألة الواحدة حتى أصيب الإفتاء بما أصيب به القضاء من التشتت والانقسام واضطرب أمر العدالة أيما اضطراب مع أن الأصل لهذه المذاهب واحد وهو الدين الإسلامي المبين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت