أما بعد حفظكم الله يا أهل صناعة الكتابة وحاطكم ووفقكم وأرشدكم فإن الله عز وجل جعل الناس بعد الأنبياء والمرسلين صلوات اللع وسلامه عليهم أجمعين ومن بعد الملائكة المكرمين أصنافًا وإن كانوا في الحقيقة سواء وصرفهم في صنوف الصناعات وضروب المحاولات إلى أسباب معاشهم وأبواب رزقهم فجعلكم معشر الكتاب من أشرف الجهات أهل الأدب والمروءات والعلم والرزانة بكم تنتظم للخلافة محاسنها وتستقيم أمورها وبنصائحكم يصلح الله للخلق سلطانهم ويعمر بلدانهم لا يستغني الملك عنكم ولا يوجد كاف إلا منكم فموقعكم من الملوك موقع أسماعهم التي بها يسمعون وأبصارهم التي بها يبصرون ولسنتهم التي بها ينطقون وأيديهم التي بها يبطشون فأمتعكم الله بما خصكم من فضل صناعتكم ولا نزع عنكم ما أضفاه من النعمة عليكم وليس أحد من أهل الصناعات كلها أحوج إلى اجتماع خلال الخير المحمودة وخصال الفضل المذكورة المعدودة منكم أيها الكتاب إذا كنتم على ما يأتي في هذا الكتاب من صفتكم. فإن الكاتب يحتاج من نفسه ويحتاج منه صاحبه الذي يثق به في مهمات أموره أن يكون مليحًا موضع الحلم فهيمًا في موضع الحكم مقدامًا في موضع الإقدام محجامًاُ في موضع الإحجام مؤثرًا للعفاف والعدل والإنصاف كتومًا للأسرار وفيًا عند الشدائد عالمًا بما يأتيمن النوازل يضع المور مواضعها والطوارق في أماكنها قد نظر في كل فن من فنون العلم فأحكمه وإن لم يحكمه أخذ منه بمقدار من الحسن واحتال على صرفه عما يهواه من القبح بألطف حيلة وأجمل وسيلة وقد علمتم أن سائس البهيمة إذا كان بصيرًا بسياستها التمس معرفة أخلاقها فإن كانت جموحًا لم يهجها إذا ركبها وإن كانت شبوبًا اتقاها من بين أيديها وإن خاف منها شرودًا توقاها من ناحية رأسها وإن كانت حرونًا قمع برفق هواها في طرقها فإن استمرت عطفها يسيرًا فيسلس له قيادها. وفي هذا الوصف من السياسة دلائل لمن ساس الناس وعاملهم وجربهم وداخلهم والكاتب بفضل أدبه وشريف صنعته ولطيف حيلته ومعاملته لمن يحاوره من الناس ويناظره ويفهم عنه أو يخاف سطوته أولى بالرفق لصاحبه ومداراته وتقويم أوده من سائس البهيمة التي لا تحير جوابًا ولا تعرف صوابًا ولا تفهم خطابًا إلا بقدر ما يصيرها إليه صاحبها الراكب عليها.
ألا فارفقوا رحمكم الله في النظر واعملوا فيه ما أمكنكم من الروية والفكر تأمنوا بإذن الله ممن صحبتموه النبوة والاستثقال والجفوة ويصير منكم إلى الموافقة وتصيرون منه إلى