امتلأت الجرائد في هذه الأيام باسم هذا القوم المحارب ويجدر بنا أن نذكر شيئًا من تاريخه ولو مختصرًا لنعرف ما كان عليه في الأيام الخالية وما صار إليه الآن. وقد اتخذت قاموس الأعلام، لشمس الدين سامي بك إمامًا وكتاب التاريخ لمؤلفه دوروي معاونًا.
إن اسم هذا القوم فيما بينهم (اربانيا) في قبيلة كيفه و) اربريا) في قبيلة طوسقه لأن هذه كثيرًا ما تبدل النون راء وكلاهما مشتق من اللغة الآرية القديمة من كلمة (آر) الحقل و (بان) من يعمل فيه أو يحرثه أو يزرعه فكأنه قيل لهذا القوم (الحارث) أو (الزارع) لأنه هو أول من أدخل هذه الصنعة من آسيا إلى أوربا ولما كان اليونانيون يبدلون الباء بالواو لفقدان الأولى عندهم دعوا هذا القوم (اروانيتيس) بزيادة (يشيس) وهي أداة النسبة عندهم أي منسوب إلى أربان (ظنًا منهم أن أربان اسم للأرض التي يسكنوها) والسين زائدة تظهر في أكثر كلماتهم حالة الرفع وتسقط في حالة النصب والجر وفي التثنية والجمع ولما دخلت الأتراك إلى تلك البلاد أخذوا الأمم اليوناني فدعوهم ارناويت بحذف السين الزائدة وتقديم النون على الواو تحريفًا (كما حرفنا نحن كلمة عربون وقدمنا الراء فقلنا رعبون) وثقل أول الكلمة اقتضى أن يكون آخرها كذلك فبدلت التاءُ طاءً وكسرت الواو ضمة لغير سبب فصارت ارناؤط وأوربا اليوم تدعوهم (الباني) بتبديل الراء لاما وهما قريبا المخرج وكثيرًا ما يتبادلان وفي العربية البرت والبت بمعنى واحد وهو القطع.
تبين لدى علماء الألسنة المحققين أن لسان الألبان يشابهُ اليوناني القديم واللاتيني والصقلبي والغوطي والفارسي والسنسكريتي وإن هذا اللسان من أقدم شعب اللسان الآري. ومن يقدر أن يحكم أن الكلمات المشتركة بين هذا اللسان وبين اليوناني القديم هي يونانية أخذها الألبان أو البانية أخذها اليونان؟
لا يقدر عَلَى ذلك إلا العالم بكلتا اللغتين المتوغل فيهما. وقد ادعى شمس الدين سامي بك بأن كثيرًا من الكلمات تدل صورتها الألبانية عَلَى أنها أصل وصورتها اليونانية أو اللاتينية عَلَى أنها فرع. (كما نعلم نحن العرب مثلًا أن يئس وجذب أصل وأن ايس وجبذ فرع) ومن هنا يتبين أن هذا اللسان أقدم من اليوناني واللاتيني ثم إن مشابهته للسان الفارسي والزند والسنسكريتي أكثر من غيره من الألسنة الآرية الأوربية تدل على أنه لم يتشعب من هذه الألسنة التي هي شعبة من غيرها بل أنه جاء رأسًا من آسيا الوسطى إبان الهجرة