فهرس الكتاب

الصفحة 371 من 6802

كيتي

ليس الغنى أبدًا مفسدة لصاحبه معوانًا على الشر والأشر كما أن الفقر لا يهذب النفوس ويربي الملكات. فابن الغني إذا حسنت تربيته وجاد تعليمه يجيء منه رجل قلما يجيء مثله من أبناء الزعانف والسوقة. وليست هذه القاعدة على إطلاقها في البلاد الراقية والبلاد المنحطة ففي الشرق اليوم لا يتعلم ويتهذب سوى ابن الفقير ويندر أن يشيع العلم والتهذيب بين أبناء الأغنياء كما تشيع الفاحشة وسوء السلوك. والحال في الغرب على العكس من ذلك إذ ترى هناك لأولاد الأغنياء حظًا من العلم وسهمًا من التهذيب. شاع ذلك بين أهله منذ نهضوا نهضة الشمير الخبير لتلمس أسباب الحضارة وكثر ذلك بين أظهرهم في هذا القرن والذي قبله فبات الغني موقنًا بأنه لا يستوفي الظرف ويذهب بفضل الشهرة وتنهال عليه ضروب المحمدة إلا إذا تهذب التهذيب الحقيقي وتعلم التعليم العالي وهما داعية مجده وفخاره لا واسع عقاره ووافر نضاره.

وكيفما تقلبت الدنيا بأهلها فإن الموسر خير من المعسر على نحو ما سيرد عليك في ترجمة كيتي أحد أعاظم شعراء ألمانيا ورجال نهضتها العلمية والأدبية. فقد قيل في ترجمته أنه كان من أسعد السعداء خدمه الحظ وهيأ له عامة الأسباب وتمكن من الانتفاع بالمواهب العالية التي وهبته الطبيعة إياها. ولم يكن كصاحبه شيلر مضطرًا معوزًا بل كان السعد يبسم له والرفاهية طوع أمره وهو من أسرة شريفة كان والده مستشارًا للمملكة وفقيهًا مشهورًا ورجلًا فاضلًا مهذبًا أما والدته فكانت سليمة الصدر جيدة الفطرة توفرت على تربيته وتثقيف عقله ولطالما كانت تلقنه في طفوليته قصصًا ثم تقطع عليه سلسلتها ليتصور ماذا يكون تاليها.

ولقد استحكم الجمال من شعور هذا الشاعر حتى لم يكن يطيق أن يرى ولدًا بشع الصورة أمامه فكيتي والحالة هذه جمع إلى الغنى مالًا مثل اللورد ليتلتون الإنكليزي وفيكتور دروي الفرنسي وهو من بيت غني ومجد يضاف إليهما حسن تربية والدته فقد كانت والدته تدربه على الأخلاق الفاضلة وتسوقه إلى المنازع الشريفة أما والده فكان يعلمه ويلقي عليه ويكلمه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت