لعل بعض الناظرين في هذا العنوان يعده خروجًا عن القصد وخطلًا في القول وضلة عن سبيل السلامة وما حكم من يبادر إلى التنديد بادئ الرأي إلا حكم من استغواه الهوى واستهواه الغرض فإن الحق كان ولا يزال مشاعًا بين الأمم والبلدان والمذاهب وما قط كان وقفًا على أمة معينة ولا على بلد خاص ولا على مذهب معلوم. الحق كنز ثمين يأخذ كل منه بحسب استعداده وأسبابه بل نور يعم العالمين على قدر خلاصهم من العوائق وبصرهم بالاستنارة به.
يخطئ كل الخطأ من يذهب إلى أن كل ما يعتقده أهل المذاهب والنحل لا ضل له من الحق وأن أهل النحل المتعددة في الإسلام مثلًا كالاباضية والسنية والمعتزلة والشيعة قد ضلوا إلا قليلًا والحقيقة التي يقتضي اعتبارها أن الحق تقسم بين أهل هذه المذاهب والنحل ومن أراد أن ينشده فلا يتأتى له ذلك إلا بالنظر فيما كتبه أئمة هذه المذاهب ثم ينخل ما يقرأه وينتحل ما يراه الحق المطلق وهكذا الحال في العلم الذي هو من الأوضاع البشرية فإنه ما خص بقبيل ولا بجيل بل هو موزع على القدماء والمحدثين والشرقيين والغربيين.
توخيت أن أصرح هنا بهذا الفكر على جلبته حبًا بتقرير جملة تقطع السن من يشاغبون في كل ما لم تألفه أسماعهم ويعتقدون أن ما لم يعرفوه ولا آباؤهم ليس من الحق في شيء. فلا يعظمن على بعضهم إذا قرأوا في طريد هذه الصحيفة ما لا ينطبق مع رغباتهم فالعلم كالحق كثير الأفنان والفنون لا دين له ولا نحلة وناشره معه خازن أمين يجمعه ليصرفه عند مسيس الحاجة. وربما كان فيما يجمعه كخاطب ليل يجمع بين الجيد والرديء ولا يكاد يشعر ولذلك كان على من أوتي نورًا من الحق أكثر من غيره أن يقبسه صاحبه ويدله على عوراته.
فقد خالف ابن عباس عمر وعليًا وزيد بن ثابت وكان أخذ عنهم وخالف كثير من التابعين بعض الصحابة وإنما اخذوا العلم عنهم وخالف مالك كثيرًا من أشياخه وخالف الشافعي وابن القاسم وأشهب مالكًا في كثير من المسائل قال ابن الأزرق وكان مالك أكبر أساتيذ الشافعي وقال لا أحد أمن عليَّ من مالك وكاد كل من أخذ العلم عنه أن يخالفه بعض تلامذته في عدة مسائل وما عد ذلك من سوء أدب التلميذ مع شيخه ولا من الخروج عن مراجعة الحق الذي توزعته عقول الناس ونال كل منهم قسطًا منه.