كل رأي لأم تقم عليه الأدلة العلمية لإثباته هو باطل لا يجوز تصديقه وقبوله ولكن ما لا تستطيع البراهين الفنية نقضه وتزييفه جدير بالقبول وإن كلن بعيد الحصول وكثيرًا ما تكون العقول قاصرة عن أثبات بطلان الآراء الجديدة فتضطر إلى تصديقها بسائق العجز والتقصير مثال ذلك ناموس الجاذبية الذي قال به الفيلسوف أسحق نيوتن مستندًا على سقوط تفاحة من شجرة على ضفة أحد الأنهار فتضاربت العقول في باديء الأمر لأن الطباع تحرص على قديمها المألوف فلا تقبل الجديد إلا بعد جدال وعراك في ميدان البحث والتنقيب وقد قرأت في كتاب مخطوط من خزانة الديرالكرملي في بغداد أن مسألة طيران العباس بن فرناس من علماء الأندلس قد أثارت عليه العامة والخاصة ولعنته لعنًا بليغًا لأنه أراد أن يتشبه بفرعون في الوصول إلى السماء فصنع له ريشًا كسا به جلده وحاول الطيران ولكنه سقط بأمر الرب لأنه لا يريد أن يعطي البشر ما أعطاه للملائكة والأنبياء ثم مضت العصور وتداولت الدهور والعلماء بين مصدق ومكذب حتى البشر وألفناهم يزاحمون الأسماك بغواصاتهم في البحار وينافسون الطيور في السماء بطياراتهم وهيهات أن تصل الطيور إلى الارتفاع الذي تصل إليه الطيارات المتقنة لأن أجنحتها تكل بعد طيران قليل فتضطر إلى النزول بعكس المناطيد أو الطيارات فهي تبقى محلقة في الجو ما دامت مراد البخار متوفرة في مخازنها قام غاليله قبل بضعة عصور قائلًا بكروية الأرض ودورانها ووقوف جرم الشمس مستندًا على الحقائق العلمية التي أدخلها العرب إلى إيطاليا وأسبانيا وجنوبي فرنسا فلم يرق رأيه لعقول هاتيك الأزمنة القاصرة فقتله حرقًا أو صلبًا ومثلوا به تمثيلًا شنيعًا على رواية بعضهم وكذلك أحرقوا جثة دانتي الشاعر الإيطالي بعد زمن طويل من وفاته لأنه قال ما لا ينطبق على مصلحة الرهبان والأكليروس وباح بعض الحقائق العلمية التي لا يتنازع فيها اثنان ولا يتناطح فيها عنزان وهكذا كان شأن العلماء والفلاسفة في الشرق أيضًا قبل أن ينضج العلم وتختمر به العقول والأدمغة ولنا في حياة ابن خلدون وابن رشد والفارابي والرازي وابن سينا وابن باجه وغيرهم من أساطين العلم وأقطاب الفلسفة أمثلة صادقة على ما كان يعترض الباحثين في تقرير آرائهم ونشر مبادئهم.
إن الاعتقاد بارتقاء العقل البشري يومًا فيومًا وأنه يسير على ناموس النشر والارتقاء