حاطت بليل اليأس مني غياهب ... تضيءُ من الآمال فيها كواكب
وجاءت أخيرًا من همومي سحائب ... فحجبت الآمال تلك السحائب
فما بان لي إلاّ شبحًا متكاثف ... ولا لاح لي إلاّ دجلًا متراكب
فيا لك من ليل هناك حالكٍ ... بأهواله ضاقت عليّ المذاهب
وطال إلى أن لاح لي في سمائه ... على الأفق فجرٌ من رجائي كاذب
قول لعيني حين جفت دموعها ... أأمسكت لما أفجعتنا النوائب
لقد غاب من تهوين مرأى وجوههم ... كأنهم زهر النجوم الغوارب
وما كان ظني أنه بعد ساعة ... تجف كذا منك الدموع السواكب
جمودك يا عيني وقد وقع النوى ... على غير ما وعدٍ لهم لا يناسب
وأني على هذا الجمود وطوله ... ألومك يا عيني وإني عاتب
فلست براض عنك يا عين بعدهم ... لأنكِ ما أديتِ ما هو واجب
وللقلب مني بعد أن كرّ راجعًا ... وقد رحلت أظعانهم والركائب
عهدتك تمشي أيها القلب خلفهم ... فقل لي لماذا أنت يا قلب آيب
سألتك يا قلبي عن السبب الذي ... رجعت له إني لعودك عاجب
فما لك تجثو راجفًا متغيرًا ... وما لك ترنو ساكتًا لا تجاوب
أجئت تعزيني لأني آسفٌ ... وإني مفجوعٌ وإني خائب
فقال بصوت هزَّ أوتاره الأسى ... فرنت رنينًا أكبرته المصائب
تبعتهم حتى ثووا في حفائر ... وحجبهم عني من الترب حاجب
وقفت على الأجداث حيث تغيبوا ... وصحت فما ردَّ الجواب مجاوب
فجئتك كيما أخبر الحال أنها ... شجتني فمرني بالذي أنت طالب
ورأيي أن نسعى معًا لقبورهم ... فقلت له يا قلب رأيك صائب
أصبت نعم يا قلب فيما رأيته ... فلي بني هاتيك القبور مآرب
تقدَّم أمامي ماشيًا لتدلني ... عليهم فسرنا والحنين مصاحب
فلما وصلنا ساء عيني أن ترى=هنالك أجداثًا عفاهن حاصب
سطور قبور في العراء تناسقت ... كما نمق العنوان في الطرس كاتب