(تتمة ما في الجزء الأول)
نهضة العرب في الإسلام
لندع جزيرة العرب الآن إلى ثلث القرن السابع الميلادي لميلاد المسيح ثم لنعد إليها بعد ذلكم ولنحدث عما نرى
أمة متفقة الكلمة مجتمعة الرأي متحدة اللغة والدين قد قوي اجتماعها واشتد أسره حتى صار كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضًا وقد كفوا سيوفهم عن أنفسهم وشهروها في وجوه عدوهم من الفرس والروم فطردوا كسرى من المدائن وأجلوا قيصر عن الشام.
سلوني أين ذهب ما كانت توصف به الأمة من تفرق الكلمة وتشعب الرأي ومن تعدد الدين وتنوع اللهجات. .؟
أين شريعة موسى وتعليم عيسى. .؟
أين الوثنية وعقائد الصابئة والمجوس. .؟
أين حمية الجاهلية وعصبيتها. .؟
أين تلكم الضغائن التي كانت تثير الحفائظ وتأكل القلوب. .؟
كل ذلكم قد ذهب به الإسلام أيها السادة فلم يبق له في الجزيرة العربية أثرًا ولست أريد أن ابحث عن مصدر ذلكم لأني إنما أحاضر في تاريخ اللغة لا في تاريخ الشعب.
القرآن
كان القرآن للعرب شمسًا نسخت عنهم ظل الجاهلية وأضاءت منهم ظلمة النفوس ونقلت اجتماعهم من حال إلى حال فقد جاءهم بضروب من القول لم يعهدوها وفنون من الكلام لم يعرفوها مشتملة عَلَى أمتن قواعد الاجتماع وأصح أصول التشريع ممتلئة بنافع الحكم ونابغ الكلم وجيد الوصف والتشبيه وصادق القصص والتاريخ وقد أنكروه إذ سمعوا بادئة الأمر ولكنهم لم يلبثوا أن خضعوا له وأذعنوا لسلطانه طوعًا أو كرهًا بعد أن بهرهم جماله وسحرتهم روعته واصبحت قلوبهم حكمته وهذبت نفوسهم آدابه وظهر لهم الحق من ثناياه جميل الصورة وطلق المحيا يفتن رواؤه القلوب ويخلب الألباب ولست أريد أن أطيل في وصف القرآن لأن ذلك يحتاج إلى محاضرة خاصة وغنما أقول أنه قد غير العرب تغييرًا