وما تاريخ الإنسانية في الحقيقة لا سلسلة من الحوادث لو بحثنا فيها بحثًا منطقيًا لرأينا بعضها متشعبًا من بعض فإذا أوردت هذه الحوادث الغزيرة فلا ترى فيها إلا إتعابًا للذاكرة بدون أن يستنير بها الفكر وإذا جمعت على ترتيب حسن بقطع النظر عن تفاصيلها العديدة فتكون مملؤة بالفوائد. إلا وأن الاشتغال في إتمام هذه الباكورة العامة التي تتضمن درس المجتمعات البشرية منذ ابتدائها وتتبعها في نشوئها التدريجي وتضعها موضع التطبيق والعمل بحيث تصف ما فيها من المنازع والمناحي لمما يساعد على نشر هذه الأفكار الكثيرة ويدعو إلى التوفر على أبحاث أهم وأحدث.
خطر لي هذا الخاطر وأنا في خلوة وأمامي ماضي البشر الذي يوحي إلى القلب ما يوحي. فأهاب بي أن أشرع بمثل هذا العمل على حين لم أجهل صعوبته وذلك لأنه اقتضى أن أوضح فيه مجموع ما ظهر من بدائع عقول البشر في السياسة والعلوم والفنون والأدب وهو متوقف على جميع أنواع البحث على صورة تكاد تكون مكدائرة المعارف بما تجمع وتضم. وفي هذا التأليف من الفائدة ولو لم يستوف حقه أنه يسهل تقويم كثير من المشاكل الاجتماعية التي لا تزال موضوع البحث وأن يرسم قانونًا صريحًا لمجموع الأعمال العقلية أمام الناظر لأحدث الاضطرابات الدنيوية الحديثة والإخلاص رائد القول في الاستنتاج بحرية فكر فلا تورد إلا بعد تمحيصها كل التمحيص. هذه الأمور حملتني على أن أتمم ما قام في ذهني وأن أضم نتائجه في الصفحات التالية أهـ. وقد عربنا منه في غير هذا المكان مبحث الأسرة وسننقل للقراء أهم مباحثه.
المزهر
للسيوطي كتب لا تحصى أفردها بمؤلف خاص ومنها الجيد ككتاب المزهر وكتاب الإتقان في علوم القرآن. أجاد في المزهر كل الإجادة فأفاض في متعلقات علم اللغة وكتب فيه فصولًا بديعة انتقاها من الكتب المعتمدة فجاء الكتاب مفردًا في بابه وقل من كتب فيه من المتأخرين مع أنه من أجل الفنون التي أعني بها المتقدمون. وقد تعرض فيه للكثير من أسرار اللغة العربية وهو من أهم ما يعنى به المستشرقون في هذا العصر.
وهنا كلمة ينبغي أن تقال وذلك أن كثيرًا من المؤرخين ومنهم أناس من مؤرخي عصر السيوطي قد بخسوه بعض حقه فزعموا أنه نقال غير نقاد يجمع بين الغث والسمين وهذا