الكبير فيقع فيه ويطبق أجفانه وينام ولكن نومه لا يطول فيستيقظ في الحال كأن قلقًا عظيمًا أخذ من نفسه مأخذًا ويسحب نفسه متثاقلًا نحو الشباك ويطل على ما وراء غرفته ويعاود تلمك الكلمات التي طالما رددها وهي: الفائدة وفائدة الفائدة.
وكان حفيده ماركوس يتالم من أخلاق جده أكثر من غيره لأنها كانت في الغالب سيئة وكان جده إذا استغرق في أفكاره يكلم نفسه ثم ينايد: يا ماركوس يا ماركوس أين أنت يا مضحك؟ فيجيبه ما أنذا يا جداه. ويقب منه وفرئضه ترتعد فيسأله الشيخ الهمُّ ماذا تعمل يا كسلان؟ فيقول أتعلم النحو يا جدي. فيجاوبه: تتعلم النحو ومن هذا يا متوان ذهب وزن لي سكرًا ناعمًا. يقول هذا وكأنه يمد يده إلى الولد ليصفعه ولكن هذا يغطي أذنيه بيديه لينجو من الصفع. ويذهب إلى المخزن كالسهم المرسل فيأتي جده في أسرع من لمح البصر بالسكر الذي طلب منه إحضاره ويجيء به حاملًا كيسًا منه بكل قوته ومعه أكياس صغيرة ويأخذ يملؤها بأن يزنها في ميزان صغير وضع على منضدة فما هو إلا أن يقول له جده لا تكثر يا نحس واجتهد بأن تعطي أبدًا قليلًا فالناس لا يدركون الكمية التي أنت تضعها. ثم تكمد جبهة الشيخ وبعد هنيهة يعود هذا فيصرخ: أين أنت يا ماركوس يا غبي؟ فيخف إليه الولد وهو خائف يترقب وقد وضع يديه على أذنيه ويتقدم نحو كرسي جده قائلًا هاأنذا يا جداه فيسأله ماذا تصنع؟ فيقول له إنني أزن سكرًا. فيعود ويقول ومن قال لك ذلك؟ وأين كتابك في النحو؟ فأنت تزن سكرًا بدل أن تتعلم دروسك يا كسلان وتتظاهر بأنك تتعلم مع أنك لا تصلح لشيء.
وعند ذلك يجر الولد الكيس إلى المخزن ويرجع على زاويته ولكن كريمور لا يتركه زمنًا مستريحًا فتارة يطلب منه وزن السكر وأخرى يوعز له بدروسه وهكذا بدون تسلسل في أفكاره ولا رابطة في أوامره.
ولما نقه كريمور ذات يوم بعض النقاهة طرد ماركوس من غرفته وأغلق الباب إغلاقًا محكمًا ثم أخرج من جيبه حزيمة من المفاتيح وكانت مفاتيح خزانة الكابلي وما كان يفارقها قط. حتى كان يذكرها في أضيق حالات مرضه. ويضعها تحت مخدته. فذهب إذ ذاك نحو الخزانة وفتحها وأخرج منها الجرار بعد الآخر وقد أصبحت معظمها فارغة غلا قليلًا وكان