من عذاب البرزخ. أو أنهم لم تبلغهم دعوة رسول فما كانوا معذبين. أو يقال أن صناعة التحنيط المصرية كانت تحول بين القدرة افلهية وبين التنكيل بهذه الموميات فلا يصيبها شر ولا يلحقها أذى اللهم غفرًا. أما المومياوات الحيوانية فلها مستودع خاص بها. وترى هناك تمساحين طول الواحد زهاء أربعة أمتار. وسمكة طولها أكثر من متر وطيور ماء ودجاج وأفراخ وكلاب وقطط وقرود وغزلان ووعول وخرفان وهذه الأجناس الأخيرة ماثلة أمام النظارة هياكل عظام مجردة عن اللحم. كما أن بعض الطيور والقرود لها نواويس تناسب حجمها قد أودعت فيها. وبين هذه المومياوات كثير من الأصداف والأبواق والقواقع البحرية وعدة قطع من الذبل (عظم السلاحف) ومن بيض الدجاج وبين آخر أكبر منه وأصغر من بيض النعام. وقد ألحقوا بهذه المومياوات الحيوانية موميات نباتية فترى غصونًا وأورقا شجر وأثمارًا وضروبًا أخرى من النبات وحبوبًا وبذورًا وعدة أقراص من الخبز وقرص عسل من شمع النحل. وكلها معالجة بالأدوية والعقاقير ومحفوظة بذلك من الاندثار.
وإذا حفظ المصريون أجساد أمواتهم من البلى لتقوم سليمة ساعة الحشر والنشر فلا بدع إذا تداركوا لهم من أطايب الزاد وشهي الأثمار ما يقوون به على تحمل أعباء الحساب. ولكن ما الغرض من حفظ جثث الكلاب والقطط والقرود يا ترى؟ وقد خصصوا في المتحف مكانًا للحلي وأدوات الزينة وإنك لترى فيها قطعًا نفيسة جدًا. وإذا أدركت كنه بعضها وفقهت الغرض الذي تتخذ لأجله كالأسورة والعقود والخواتيم ـ فإنك ترى منها ما لا تعرف له مغزى ولا تفقه له غرضًا بل إذا حاول المرء وصفه بقلمه أو لسانه فلا يقدر عليه. ومن ثمة كانت الزائرات من نساء الإفرنج يصورون ما يستحسنونه من تلك القطع في مذكراتهن تصويرًا. وقد رأيت فتاة تصورا خنجرًا له مقبض جميل مطوق بالذهب ومرصع بالأحجار الكريمة. وأخرى تصور عقدًا مؤلفًا من عدة أسلاك نظزمت فيها الأحجار الكريمة وفصلت بالجمان وخيوط الذهب تفصيلًا. وليست الأحجار الكريمة مما نعهده بيننا اليوم كالماس واللؤلؤ والياقوت والمرجان وإنما هي أجناس أخر ليست منها وليس لها بريقها وبصيصها. ثم إذا طفت في أرجاء ذلك المتحف وقلبت طرفك بين عادياته وذخائره بصرت بأشياء ودوات كثيرة: منها ماله مثال في مرافقنا وتكاليف مدنيتنا كالجرار