ولقد تحققت أمنيته تلك. فإن الجنس الذي أوجد بسمارك لا يمكن أن ينسب إليه بله أو غباوة في حال من الأحوال. وإن تقدم أمة الجرمان ليصادم النظر في أغلب فصول كتابه فبينا هو يبحث عن الغاليين مثلًا إذ يشرع في وصفهم بقوله: إنهم شعراء أذكياء ذوو قلوب صافية سرائرها وليس بهم قوة ولا طاقة غير أنهم طائشون يرتاعون من العمل في الحقول والمزارع ويرتاحون للحانات والعربدة ويعتبرون قسيسهم أبًا ومنه يرجون النصح في كل شيء. وكان مومسن لا يحب الفرنسويين بتة ومن أجل هذا فإنه أحيا تلك المعركة التي نشبت سنة 1870 على أنها للألمانيين مخلصًا لهم يحررهم من داء تقليد فرنسا. وقد بحث في كتاب كتبه لإرجاع الإيطاليين عن فكر اتفاقهم مع فرنسا في اضمحلال بابل الجديدة (باريز) وسقوط أدبيات فرنسا التي هي أشبه بنهر السين اتساخًا ودنسًا.
هذا الميل الذي كان يشعر به مومسن نحو بلاده كان يجول في خلال كل سطر من تاريخه وفوق ذلك فإنه كان يرى العناصر الأخرى بجاني العصر الجرماني منحطة جدًا.
ولم يكن يميل للأمة اللاتينية وإن كان يتظاهر بذلك أحيانًا ولم يكن مصدر ذلك هو حب حقيقي وزد على ذلك فإنه كان لا يرتاح إلى أفكار هذه الأمة مع ما أوتيه من المواهب الطبيعية وما فيه من المبادئ السامية وما أتيح له من معرفة العظماء ومما قاله في ذلك إن الإيطاليين لا يمكن أن يدخلوا في مصاف الأمم التي تلعب في طبائعها الغرائز الشعرية لفقدان تأثر أفئدتهم إنما لا تقاس أمة الإيطاليين في البلاغة والفاجعات. . . .
وأنت لتجد لسانه الجائل في تلك الأبحاث وهو يحكم حكمًا باتًا قاطعًا مرتبطًا بفكره وشعوره تمام الارتباط. فهو مثل تين حذو القذة بالقذة لا ينحرف عن الأسلوب الذي تمسك به فيد شبر. وفيما هو يكتب في التاريخ يبين الآراء ويثبت ما أتى به من نظرياته الخاصة تراه يطرح من الوقائع كل ما يوشك أن يوقع في هذه الآراء والنظريات خللًا.
فهو يريد أن تكون الأمة الرومانية سالكة السبيل الذي اختطه لها لا تحيد عنه ذات اليمين أو ذات الشمال. خذ إليك مثلًا ذهابه إلى أن الدهاء في غير السياسة لا أثر له في الرومانيين وجزمه بما ذهب إليه جزمًا باتًا تجده يعزز هذا الحكم باستنتاجات قوية وبراهين جلية متينة. وأن الألمان ليتراؤن له من جهة الانتظام أتم من الرمانيين الذين هو وألئك في السياسات والمعارك سواء وكذلك يشعر المطالع من طرف خفي بمدحه الألمان من خلال