أعظم حافظ للأمة. الفكر الشخصي في ألمانيا ثاقب للغاية ولا يتلكأ أمام مشكلة مهما كانت ويبحث فيها كلها مستقلًا كل الاستقلال. على أنه يكره التطرف في حلها. فليست ألمانيا من حيث الأمور الدينية مثلا جاحدة ولا كهنوتية ولا تنبذ اكتشافًا من مكتشفات من ينكرون الوحي من طريق العلم بل ترى أبدًا إبداء شيء من الاحترام للحكمة الغريزية الظاهرة في الشعور الديني في الإنسانية وهي تحاول أن توفق ما أمكن بين العلم والإيمان والحقيقة العقلية الحقيقة التقليدية كما أنها في الشؤون السياسية تقصد إلى أن تمتع رعاياها بمبدأ السلطة ومبدأ الديمقراطية فلا تقبل أصلًا السلطة الاستبدادية المطلقة بل ترى احترام الحكومة المطلقة لما فيها من ترتيب الطبقات. فالديمقراطية الألمانية لا تطلب أن بيدها وحدها سعادة الأمة بل ترى عن رضا أن يشترك في السلطة معها زعيم عالي المقام لا توجده هي بل يكون مما أوجدته التقاليد.
وبعد فنه يتجلة أن ألمانيا بفضل معنى النظام والترتيب المغروس في أبنائها آخذة في الترقي لإدراك معنى التكافل في الحياة الذي هو على التدريج مهذب بل متمم لمذهب حرية المنافسة ومن هذا على ما أرى كان ارتقاءها موضوع إعجابنا في الأكثر. فإن انتشار الأحزاب السياسية والعصابات الاجتماعية ونقابات أرباب الأعمال والمعامل والعملة واتساع دائرة أعمال الضمانات الاجتماعية كلها تدل على ما تم لفكر التكافل من النجاح النامي. فحل بالتدريج الشعور بضرورة الجهاد في التكافل لإحراز القوة محل هيجان المنافسة العامة والحرب التي يثيرها الفرد على المجموع. فألمانيا تتوقع وترجو أن يكون لها بعد دور الانقلابات العظيمة والتقلقل وقلة الأمن الناشئين من ارتقاء مذهب حرية العمل ما تدخل معه في دور النظام الاقتصادي والاجتماعي الذي يكون إلى السلامة مرتبًا على قانون ثابت وإيمان وخلق أقل ترددًا. فهي تطمح بذاك الجهاد العظيم في سبيل الوحدة السياسية والثروة المادية أن تنهض نهضة الشمير نحو الكمال في التهذيب والتكمل في التفنن. ولا شك ن هذا مما تقرأ في صفحته جمال المستقبل. ويكفي في هذه الآمال على ما يتسرب إليها من الريب أنها لا تبدو غير ممكنة التحقيق في عيون الألمان فينظرون الطريق التي قطعوها بما يحق لهم من الإعجاب ويرون المستقبل الذي إليه يسيرون بشيء من حسن الظن فيه.