المقفع: كلام الرجل وافد عقله، وشبهت الحكماء المعاني بالغواني والألفاظ بالمعارض فإذا كسا الكاتب البليغ المعنى الجزل لفظًا رائقًا وأعاره مخرجًا سهلًا كان للقلب أحلى وللصدر أملى ولكنه بقي عليه أن ينظمه في سلكه مع شقائقه كاللؤلؤ المنثور الذي يتولى نظمه الحاذق والجوهري العالم يظهر بإحكام الصنعة له حسنًا هو فيه ومنحة بهجة هي له كما أن الجاهل إذا وضع بين الجوهرتين خرزة هجن نظمه وأطفأ نوره، كان حبيب بن أوس ربما وقع على جوهرة فجعلها بين بعرتين قال الشاعر:
ولو قرنت بدرٍ فاخرٍ خرزًا ... من الزجاج لقلنا بئسما نظما
والياقوت حسن وهو في جيد الحسناء أحسن وكذلك الشعر الجيد مونق ولكنه من أفواه العظماء آنق والتاج الشريف بهي المنظر وهو على الملك أبهى كما قال ابن الرقيات يعتدل التاج فوق مفرقه قال أبو العتاهية لابن مناذر: بلغني أنك تقول الشعر في الدهر والقصيدة في الشهر فقال نعم لو رضيت لنفسي أن أؤلف تأليفك وأقول ياعتب بادرة الغواص لقلت في اليوم والليلة ألف قصيدة وقال عمر بن لجأ لشاعر: أنا أشعر منك قال: ولم قال: لأنك تقول البيت وابن عمه وأنا أقول البيت وأخاه.
فإن منيت بحب الكتابة وصناعتها والبلاغة وتأليفها وجأش صدرك بشعر معقود أو دعتك نفسك إلى تأليف الكلام المنثور وتهيأ لك نظم هو عندك معتدل وكلام لديك متسق فلا تدعونك الثقة بنفسك والعجب بتأليفك أن تهجم به على أهل الصناعة فإنك تنظر إلى تأليفك بعين الوالد لولده والعاشق إلى عشيقه كما قال حبيب:
ويسيء بالإحسان ظنًا لا كمن ... هو بابنه وبشعره مفتون
ولكن اعرضه على البلغاء والشعراء والخطباء ممزوجًا بغيره فإن أصغوا إليه وأذنوا له وشخصوا بالأبصار واستعادوه وطلبوه منك وامتزج فاكشف من تلك الرسالة والخطبة والشعر اسمه وانسبه إلى نفسك وإن رأيت عنه العيون منصرفة والقلوب عنه واهية فاستدل به على تخلفك عن الصناعة وتقاصرك عنها واسترب رأيك عند رأي غيرك من أهل الأدب والبلاغة فقد بلغني أن بعض الملوك دعا إنسانًا إلى مؤانسته حتى ارتفعت الحشمة بينهما فأخرج له كتابًا قد غشاه بالجلود وجمع أطرافه بالابريسم وسوى ورقه وزخرف كتابته وجعل يقرأ عليه كلامًا قد حبره فيه ونمقه عند نفسه وجعل يستحسن ما لا