فقال ليس هذا أريد فقال فكأنك إنما تريد تخير اللفظ في حسن إفهام أنك أردت تقرير حجة الله في عقول المكلفين وتخفيف المؤنة عن المستمعين وتزيين تلك المعاني في قلوب المريدين بالألفاظ المستحسنة في الآذان المقبولة عند الأذهان رغبة في سرعة استجابتهم ونفي الشواغل عن قلوبهم بالموعظة الحسنة على الكتاب والسنة كنت قد أوتيت فصل الخطاب واستوجبت من الله سبحانه جزيل الثواب. الخليل بن أحمد: كل ما أدى إلى قضاء الحاجة فهو بلاغة فإن استطعت أن يكون لفظك لمعناك طبقًا ولتلك الحال وفقًا وآخر كلامك لأوله مشابهًا وموارده لمصادره موازنًا فافعل واحرص أن تكون لكلامك متهمًا وإن ظرف ولنظامك مستريبًا وإن لطف بمواتاة آلتك لك وتصرف إرادتك معك فافعل إن شاء الله.
وهذه الرسالة عذراء لأنها بكر معانٍ لم تفترعها بلاغة الناطقين ولا لمستها أكف المفوهين ولا غاصت عليها فظن المتكلمين ولا سبق إلى ألفاظها أذهان الناطقين فاجعلها مثالًا بين عينيك ومصورة بين يديك ومسامرة لك في ليللك ونهارك تهطل عليك شآبيب منافعها ويظلك منها بركاتها وتوردك مناهل بلاغاتها وتدل على مهيع رشدها وتصدرك وقد نقع ظمؤك بينابيع بحر إحسانها إن شاء الله عز وجلّ والحمد لله وحده وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.