لأنها عَلَى اتساع مساحتها لا يتسع صدرها لكل ما يلزم المؤلفين فيها من المواد بل فيها فقط كتب الفهارس والمعاجم والمراجعة والأمهات التي لأغنية لكل عالم عنها وما عدا ذلك فمكاتب باريز وعلماؤها ودور سجلاتها ومتاحفها عَلَى قيد غلوة من سكانها هذه الرحبة الشريفة يأخذون منها ما راقهم كل ساعة.
وليست هذه الوسائط هي كل ما في معهد تير من المعونات علمائها بل أن لهم بفضل الشيخ الرئيس مديرهم الحكيم الكبير أهم الأسباب التي تربطهم بعلماء العالم ومجامعه وكلياته فهم كسكان الجنان توفرت لهم كل الوسائط فلم يبق عليهم إلا أن يقطفوا من ثمار يحبونها كل قريب ودان.
يعيش هؤلاء العلماء عيشة مشتركة فيتناولون طعامهم معًا ويلعبون ويتنزهون معًا ويبحثون عن العلوم التي يمتون بها معًا ويظلون هكذا يعيشون عيشة الأتراب العاملين عَلَى ما تعلموا في طفولتهم في المدارس والكليات ويستفيد بعضهم من بعض في العلوم المختلفة ويعاون بعضهم بعضًا معاونة الإخوان ويترفهون رفاهية لا يتمتع بها إلا عقلاء الأغنياء.
قام هذا المعهد المفيد تحت رعاية العلماء من أهل المجمع العلمي وحققت فيه مؤسستاه العقلية تير وشقيقتها مارسمه النظار على ذاك المعهد أمثال جول سيمون ومنيه وبارتلمي سان هيلير فكان تير الذي عد من نوابغ القرن التاسع عشر الذين خدموا بلادهم خدمة تذكر عَلَى الدهر فتشكر نافعًا لأمته في حياته بعقله وفي مماته بماله. فمتى يصل الشرق يا ترى إلى هذه الدرجة في العقل والإحسان ومتى يكون علماؤه من أهل السعة واليسار إلى هذا الحد ليحسنوا الانتفاع بأموالهم كما أحسنوها بعلومهم.
إن شبان العلماء في هذه الدار بعد أن تعلموا ورأوا العلماء كيف يعملون محتاجون لهضم ما تعلموه أن يعانوا لينشأ منهم أفراد متفردون في العلم فيتحولون بهذه الواسطة من تلامذة إلى أساتذة أكفاء أن يكفوا أنفسهم وأن يوجدوا ويخترعوا وهذا موقوف عَلَى أن يستجمعوا قواهم ويتمتعوا بحريتهم وأوقاتهم عَلَى ما يشاؤن فالعمل كما قال أميل بوترو هو السرور على شرط أن لا يكون صاحبه مستبعدًا فيه لأحد ولا لمؤثر بل يقوم به مدفوعًا فقط بعامل نتائجه الطبيعية وهي الإيجاد والإبداع. وما التربية إلا أن تخرج كل إنسان عَلَى ما ينفع فيه ويتيسر له النبوغ في فروعه. التربية هي تخريج المرء أولًا في مجموع المبادئ العامة