وقال آخر لامرأَة:
أكلت دمًا إن لم أرعك نصرة ... بعيدة مهوى القرط طيبة النشر
فلو كان شرب المجدوح عنده محمودًا لم يجعل يمينه شرب الدم كما يقول القائل شركت بالله إن لم أفعل كذا وكذا.
وقال آخر:
نعاف وإن كانت خماصًا بطوننا ... لباب النقي والعجاب المجردا
يريد أنه يرغب وإن كان جائعًا عن أكل الخبز بالتمر إلى أكله بالشحم ونزل رجل من العرب فقدم إليه جرادًا فعافها وأنشأ يقول:
لحى الله بيتًا ضمني بعد هجعة ... إليه دجوجي من الليل المظلم
فأبصرت شبحًا قاعدًا بفنائه ... هو العير إلا أنه يتكلم
أتاني بيرقان الدبا في إنائه ... ولم يك في برق الدبا لي مطعم
فقلت له غيب إناءك واعتزل ... فهل ذاق هذا إلا أبا لك مسلم
وأما أكلهم العلابي والعروق واللحم النيء وتركهم طيبة الأطعمة والأطبخة وحسن الأدب عند الأكل فهذا لعمري هو الأغلب على من الأغلب عليه الفقر فأما ذووا النعمة واليسار والأقدار فقد كانوا يعرفون أطايب الطعام ويأْكلونها ويأْخذون بأحسن الأدب عليها.
فالمضيرة لهم واسمها يدلك على ذلك تطبخ باللبن الماضر وهو الحامض فاشتق اسمها منه.
والهريسة لهم سميت بذلك لأنها تهرس أي تدق ويقال للمدق المهراس والوشيقة لهم والعامة تسميها العشيقة سميت بذلك لأنها توشق أي تقطع صغارًا والعصيدة لهم وسميت بذلك لأنها تعصد إذا عملت أي تلوى وكل شيءٍ ألويته فقد عصدته ومنه قيل للمائل عنقه عاصد وقال مرود:
لبكت بصاعي حنطة صاع عجوة ... إلى صاع سمن فوقه يتربع
وهذا هو العصيدة وقال أمية ابن أبي الصلت في عبد الله بن جدعان:
له داع بمكة مشمعل ... وآخر فوق دارته ينادي
إلى روح من الشيزى ملاء ... لباب البر يلبك بالشهاد
وهذا هو الفالوذ وهم أوصف الناس للطعام وألطفهم في ذكره. حدثني أبو حاتم قال حدثني