يعرفون غير تقلد الوظائف الإدارية والعلمية والقلمية والعسكرية.
فالأستانة من هذه الوجهة مدينة الاتكال المجسم يعيش أهلها كالحلمة الطفيلية على عنق الولايات ولكم خربت ولاية أو لواءٌ أو قضاء ليعمر بها أحدهم مصيفًا له على ضفاف الخليج أو في جزيرة الأمراء ويقتني من الجواري والسراري والعبيد بقدر ما تطيب له نفسه.
ولأهل الأستانة فضل أدب ولين جانب عرفوا به منذ القديم فترى الواحد منهم يعاملك بأقصى اللطف والظرف حتى يرضيك وفي باطنه على الأغلب يسر لك غير ذلك وهذا الخلق عام في عمال النظارات والإدارات الكبرى ولولا ذلك ما انصرفت وجوه أرباب الأشغال من سكان الولايات إلى الأستانة يقصدونها لكشف ظلامة ونيل رتبة ومرتبة وراتب.
صرفت في هذه العاصمة عشرين يومًا قابلت في خلالها كثيرًا من أهل العلم والسياسة وكنت أتكاره في الاختلاف إلى المعاهد والناس إذ سئمت نفسي كل ذلك بعد باريز التي رأيت فيها من كل شيء أحسنه ومن العالم أرقاهم ولطالما اسودت عاصمة بلادي في عيني ووددت على الأقل لو كنت لي أن أزورها قبل الرحيل إلى الغرب وإمتاع النظر والحواس بحضارته البهجة حتى لا أرى الانحطاط بعد الرقي ولا الظلام بعد النور.
ومن جملة المعاهد التي هي جملة مقصدي وغاية مناي من زيارة الأستانة مجلسنا النيابي زرته خمس مرات وأعضاؤه نحو مائتين وخمسين نائبًا من جميع عناصر الدولة وأصقاعها تجد فيهم ذا العمامة البيضاء أو الخضراء كما تشهد فيهم لابس الكوفية والعقال وثلاثة أرباعهم من لابسي الطرابيش ولقد سمعت من أرباب العمائم مناقشات راقية لم أكد أسمعها إلا من النواب الذين صرفوا شطرًا من أعمارهم في أوربا يتعلمون ويتمرنون ويدير حركة المجلس من النواب اليوم نحو عشر أعضائه شأن مجالس كلها فإن أرباب العقول الراقية والمضاء الكبير قلائل في كل طائفة. خصوصًا ومجلسنا ما برح طفلًا ويرجى أن يكون في الانتخابات المقبلة أرقى مما هو الآن.
رأيت النظام قليلًا في المجلس يبدأ قبل الظهر بالنظر في قانون كذا وبعد الظهر يتناقش في غيره قبل أن يكمله ومن الغد يتناقش في مسألة أخرى وينسى القانون أو اللائحة الأولى