كثيرون وارتاشوا حتى أن كثيرين من بائعي الفول المدمس لا يرضون من الربح في يومهم أقل من ليرة.
كل هذا قالوه وهو صحيح ولكن الواجب علينا أن لا يمر بنا دون أن نتدبر سره الاقتصادي والاجتماعي والسر فيه أن كثيرين من الأعيان اكتفوا بما حازوه من الثروة إرثًا عن آبائهم أو بفضل سعيهم ولا تقول كيف حازوها والطرق التي سلكوها فمنهم من كانت ثروته ثمرة الكدح المشروع من تجارة وزراعة وهم قلائل يعدون على الأصابع. ومنهم من اغتنوا بالاتفاق فابتاعوا مثلًا أرضًا أو عقارًا قضت الأحوال بارتفاع أسعاره فأصبح ما ابتيع يساوي عشرة آلام وعددهم محدود أيضًا ومنهم من أثروا بما كان لهم أو لأجدادهم من النفوذ في الدولة الاستبدادية فكان الفلاحون يأتونهم باكين شاكين طالبين إليهم أن يرفعوا عنهم ظلم الحكومة أو الملتزمين أو عرب البادية ويأخذوا قريتهم حلالًا زلالًا وهم يكتفون منهم بالحماية ويدفعون لهم الخمس كل سنة من مجموعه ما تنبت الأرض. ومنهم من تيسر لهم أن يحرزوا وقفًا عظيمًا لمدرسة أو لمدارس فعمروا أرضه ورباعه فأخصب وعلا ثمنه مع الزمن فاغتنوا هم وأولادهم ومنهم من وسدت إليهم الوظائف فباعوا ذممهم وفتحوا بطونهم لأكل الرشى وأضاعوا حقوق العباد والدولة حتى جمعوا لهم مقدارًا من المال أنشوا به الحوانيت وعمروا الدور واستثمروا المزارع والدساكر. ومنهم من جرأوا على استحلال الربا أيام كان ابن حوران مثلًا لفقره يضطر في أكثر سنيه أن يقترض القرش بقرشين للمرابين والصيارف قحة وعرامة فجمعوا من رأس مالٍ صغير رأس مال صغير كنوزًا كبيرة في برهة وجيزة ومنهم من لم يستنكفوا من ظلم الفلاح فأكلوا لحمه وعرقه وعظمه حتى تم لهم والناس في غفلة والحكومة في إخفاء الذ من إغفاء الصبح نائمة على رعاياها إن جمعوا ما جمعوا سحتًا بحتًا وحرامًا لا يجوزه عقل من عقول البشر ولا شريعة من الشرائع السماوية والأرضية.
هكذا قام أكثر ما نشاهده من الثروات وعلى هذه الأسس قامت أبنية الأمجاد والتقتير رائد أصحابها والإمساك طريقهم إلى الجمع. ومن أتاه قرش فصرف بعضه وأحسن استخدام ما جمع لا بد أن يأتي عليه يوم يحوز الغنى وكيف لا ننسب بعض الأغنياء إلى كزازة الأيدي ونحن نراهم لا يسمحون حتى بتعليم أولادهم مع أن تعليمهم باتفاق آراء العقلاء يعادل