شاؤا من اللغات والعلوم ولكن بعد أن يحكموا لغتهم كتابة وخطابة حتى لا يسرق أبناء سورية بتساهل آبائهم ويبيعونهم من أقوام أخر بالمجان على أمل التوظف في وظائف الحكومة أو الاحتكاك بالأجانب احتكاكًا يؤدي في الأكثر إلى ارتحال المتخرج بهم عن بلده وزهده في وطنه زهدًا أبديًا.
إن المدارس التي تعلم غير الأسلوب الوطني هي التي تسلب من سورية اليوم بعد اليوم روحها وناهب الروح ماذا يدعى في الشرع والعقل؟ إن لأهل كل قطر منازع خاصة بهم وعادات وأخلاقًا ومميزات إذا فقدوها هلكوا وانحل أمرهم وآضوا عبئًا ثقيلًا على البلاد لا ينتفعون بها ولا هي تنتفع منهم. فالواجب إذًا إنشاء مدارس لإحياء التعلم الوطني لتحيا بحياته البلاد لأن مئة رجل يعرفون الزراعة باللغة الفرنسية أقل نفعًا من واحد يشرحها للعرب بالعربية وقد يكون تعلمها بالعمل لا بالنظر. وهكذا الحال في مئة كاتب متعلم قرأ العلوم والآداب بغير لغته لا يستفيد منه قوم إلا معشار كاتب واحد يعرف كيف يعلم عامة قومه قبل خاصتهم وجاهلهم قبل عالمهم أصول المعاش والمعاد بلغة أبيه وأمه.
إن ما عاق الأتراك عن فهم أسرار الشريعة قلة عنايتهم بالعربية التي يجب على كل مسلم أن يتعلمها والذي عاق العرب عن فهم قوانين البلاد جهلهم بالتركية لغة الجامعة العثمانية التي توجب السياسة تعلمها فظلت أكثر قوانيننا مكتوبة باللغة التركية ولم يستفد منها إلا قلائل من الأتراك وبعض من تعلموا ليتوظفوا من العرب والروم والأرمن والأرناوءد والأكراد واللاز والفلاخيين والبوشناقيين والبلغاريين. ولو تخرج في مدارس الحكومة أناس من العرب يحسنون الكتابة والخطابة كما يحسنونها باللغة الطارئة عليهم لتمكنوا على الأقل من نقل هذه القوانين إلى العربية وعرف العثمانيون ما لهم وما عليهم وأفادوا بلادهم وقوميتهم فائدة كبرى.
إن مما يبكي أن يسن ابن الآستانة قانونًا يحاول تطبيقه على ابن حوران وهلا كان الاختلاف في الحاجيات طبيعيًا بين تركي وعربي وأوربي وآسياوي. ولذلك جاءت قوائم الدروس الجديدة في المدارس الابتدائية والثانوية في الولايات العربية مثل دروس الولايات التركية لا أثر فيها لتعليم العربية إلا أن يكون قراءة القرآن في الصفوف الابتدائية يتلى فيها بلا فهم ولا علم.