مبلغًا أودى بحياتها وهكذا ضاعف الجرم على الرجل وعله كاذبًا وخادعًا ولصًا وقاتلًا وختم المقالة وهو يمحض الرجال القاسية قلوبهم النصح للرفق بضعيفات النفوس من النساء.
والظاهر أن الأستاذ المنفلوطي كان لا ينظر إلى الحقيقة من حيث هي بل كان قلمه حين يأتي على وصف حادثة يختلف باختلاف المظاهر والمؤثرات فبينا نرى صفحات مقالته هذه مكتظة بما لا يملأ النفوس شفقة ورحمة وعطفًا وحنانًا على العاهرات إذا به يضني عليها بجندي يقف ليخفرها ممن يريد أن يسلبها من الحقوق ما لم يبق منها إلا الذماء ويستكثر عليها ذلك في موقف هي خليقة بالشفقة والعناية أكثر من كل المواقف.
ولقد رأيناه وهو يتكلم على المرقص في الأزبكية يحمل على الحكومة المصرية حملة منكرة ويحتدم غيظًا وحنقًا لأن هذه الحكومة المدنية المادية (على رأيه) التي هي مسؤولة أمام القانون عن استقرار الأمن واستتبابه تبعث بجندي يحمي أبواب العاهرات لئلا يعبث المشاغبون بالأمن والسكينة أو يعيثوا في الأرض فسادًا.
ومما قاله: إن العين لا تكاد تملك مدامعها سحًا وتذارفًا كلما أبصرت هذا الجندي الشريف واقفًا هذا الموقف الذليل يسمع قراع الدفوف، لا قراع السيوف ويرى حمرة الصهباء لا حمرة الدماء ويحمي الفسق والفجور لا القلاع والثغور. وما أعجب لشيء عجبي لهذه الحكومة التي تضن بجنديها أن يشتمه شاتم أو يلمسه لامس فتغضب له غضبة مضرية تتراءى فيها الشهامة والحمية والعزة والنخوة ثم لا تضن أن تؤجره نائحة في الجنائز، أو قوادة في المراقص.
هذا ما قاله المنفلوطي وما يحدوه إلى هذا إلا أنه ودّ أن يكون في طليعة من يعمل بالدرس الذي ألقاه على الرجال القاسية قلوبهم ليعلمهم فيه الشفقة والرحمة والإحسان!!! وما رآه في مبدأه هذا الأكتولستوي الفيلسوف الروسي الشهير الذي يهيج هائجه على الحكومة الروسية ويصمها بالمعرة والدعارة لأنها تبعث بالأطباء إلى المواخير العامة وتعهد إليهم أن يعنوا بتطهيرها خفية أن تنتقل جراثيم الأدواء الدوية من هؤلاء البغيات الباغيات فتعم الشعب بأسره وتراه يرمي الأطباء بكل مكروه بدعوى أنهم يسعون وراء إشاعة الموبقات وتسهيل أسباب الفسق والفجور.
ويقضي علينا الأخذ برأي هذا المصلح الأخلاقي الروسي أن نهمل تعهد أماكن الفسق