مثله من الاجتهاد في التقليد فهذا لا يؤاخذان اخطأ كما في القبلة.
وأما أن قلد شخصًا دون نظيره بمجرد هواه ونصره بيده ولسانه من غير علم أن معه الحق فهذا من أهل الجاهلية وإن كان متبوعه مصيبًا لم يكن عمله صالحًا وإن كان متبوعه مخطئًا كان آثمًا وهؤلاء من جنس مانع الزكاة ومن عبد الدينار والدرهم والقطيفة والخميصة فإن ذلك لما أحب المال حبًا منعه عن عبادة الله وطاعته صار عبدًا له وكذلك هؤلاء فيكون فيه شرك أصغر ولهم من الوعيد بحسب ذلك وفي الحديث أن يسير الرياء شرك كلامه عليه الرحمة.
تورع المفتي عن التضليل والتكفير
مما يزين العالم كبر عقله وشدة رزانته وحصافة لبه، ومما يشينه ويزريه طيشه وحمقه وخفته وتسرعه فتراه بذلك يهوي من حالق وإن ناطح الجوزاء بعرفانه بحق أو بغير حق.
فبحفظ اللسان صيانة الإنسان وهل يكب الناس في النار على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم.
قال حجة الإسلام الغزالي في فيصل التفرقة، إذا رأيت الفقيه الذي بضاعته مجرد الفقه يخوض في التكفير والتضليل فاعرض عنه ولا تشغل به قلبك ولسانك فإن التحدي بالعلوم غريزة في الطبع لا يصبر عنه الجهال ولأجله كثر الخلاف بين الناس ولو ينكث من الأيدي من لا يدرى لقل الخلاف بين الخلق.
(وقال) رضي الله عنه أيضًا، واعلم أنه لا تكفير في الفروع أصلًا إلا في مسألة واحدة وهي أن ينكر أصلًا دينيًا علم من الرسول صلى الله عليه وسلم بالتواتر (ثم قال) ولو أنكر ما ثبت بأخبار الآحاد فلا يلزمه به الكفر ولو أنكر ما ثبت بالإجماع فهذا فيه نظر لأن معرفة كون الإجماع حجة أصلًا فصار كون الإجماع مختلفًا فيه.
وقال أيضًا ولا يلزم كفر المأولين ما داموا يلازمون قانون التأويل وكيف يلزم الكفر بالتأويل وما من فريق من أهل الإسلام إلا وهو مضطر إليه.
وقال أيضًا كأن كل واحد لا يرضى بما ذكره الخصم ولا يراه دليلًا قاطعًا وكيفما كان فلا ينبغي أن يكفر كل فريق خصمه.
وكتابه رضي الله عنه هذا فيصل التفرقة مما يهم كل نبيه مراجعته ومطالعته فلم يؤلف في موضوعه مثله.