تقي الدين ابن تيمية: وأما قول بعض الأئمة كالفقهاء الأربعة وغيرهم فليس حجة لازمة ولا إجماعًا باتفاق المسلمين بل قد ثبت عنهم رضي الله عنهم أنهم نهوا الناس عن تقليدهم وأمروهم إذا رأوا قولًا في الكتاب أو السنة أقوى من قولهم أن يأخذوا بما دل عليه الكتاب والسنة ويدعوا أقوالهم ولهذا كان الأكابر من أتباع الأئمة الأربعة لا يزالون إذا ظهر لهم دلالة الكتاب والسنة على ما يخالف قول متبوعهم اتبعوا ذلك انتهى وفي معالم الأصول، إذا أفتى جماعة ولم يعلم لهم مخالف فليس إجماعًا قطعًا إذ لا يعلم أن الباقي موافقون ولا يكفي عدم علم خلافهم فإن الإجماع هو الوفاق لا عدم علم الخلاف انتهى.
وقال حجة الإسلام الغزالي في كتابه فيصل التفرقة بين الإسلام والزندقة وأما ما يستند إلى الإجماع فدرك ذلك من أغمض الأشياء إذ شرطه أن يجتمع أهل الحل والعقد في صعيد واحد على أمر واحد اتفاقًا بلفظ صريح ثم يستمروا عليه مرة عند قوم وإلى انقراض العصر عند قوم ومن هذا علم حد الإجماع (وقال أيضًا) وإنما يعرف ذلك - مواضع الإجماع - من مطالعة الكتب المصنفة في الاختلاف والإجماع للسلف ثم لا يحصل العلم في ذلك بمطالعة تصنيف ولا تصنيفين إذ لا يحصل تواتر الإجماع به (قال) وقد صنف أبو بكر الفارسي رحمه الله كتابًا في مسائل الإجماع وأنكر عليه كثير منه وخولف في بعض تلك المسائل (قال) فإذن من خالف الإجماع ولم يثبت عنده بعد فهو جاهل مخطئ وليس بمكذب فلا يمكن تكفيره والاستقلال بمعرفة التحقيق في هذا ليس بيسير انتهى كلام حجة الإسلام نفعنا المولى بعلومه.
المفتي والعالم بإزاء ما ينبزه بالألقاب
إن العالم لما أخذ الله عليه الصدع بالحق والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأن لا يخاف في الله لومة لائم كان معرضًا من أعداء أنفسهم وعبيد أهوائهم للشنان والنبز وبالألقاب فتراهم أن وجدوه يميل للنظر في الأدلة على الأحكام والوقوف على مآخذ المذاهب والأقوال وتحري الأقوم والأصلح بدون تعصب لإمام ولا تحزب لآخر نبزوه بالاجتهاد وسموه (مجتهدًا) تهكمًا مع أنه بذلك لم يقم إلا بواجبه، وإن أبصروا ميله لعلوم الحكمة والرياضيات وتشويقه لاقتطاف ثمارها سموه (طبيعيًا) وإن رأوا حثه على البذل والإنفاق في سبيل الله ودعواه الموسرين للعطف على البؤساء لقبوه (اشتراكيًا) وإن سمعوه