كلب من جس ما قد مسه ... وأفانين فؤاد مختبل
وعلى معنى قولهم (كلب بضرب جماجم ورقاب) فإذ كلبَ من الغيظ والغضب فأدرك ثأره فذلك هو الشفاء من الكلب وليس أن هناك دمًا في الحقيقة يشرب ولولا قول عاصم ابن الفرية (والنطاسي واقف) لكان ذلك التأويل جائزًا انتهى كلامه. قلت وقد تظرف البحتري فقال يهنئ من انتصد وأخرجه مخرج هذا الزعم عند العرب:
ليهنك البرءُ مما كنت تأمله ... وليهنك الأجر عقبى صائب الوصب
لئن فصدت ابتغاء البر من سقم ... فقد أرقت دمًا يشفي من الكلب
(ومن أبيات العادات) قول القائل:
ولا عيب فينا غير عرق لمعشر ... كرام وأنا لا نخط على النمل
النمل هنا جمع نملة وهي قرحة تخرج في الجسد ولو لم يكن البيت مبنيًا على عادة لهم لما كان معنىً لافتخاره ممن لا يخطون على تلك القروح ولكن مراد الشاعر أننا لنا بمجوس نتزوج الأخوات لزعم العرب أن ابن امجوسي إذا كان من أخته وخط بيده على النملة أبرأها كذا في كتابات الجرجاني صاحب اللسان والعلامة ابن القيم في كتابه الفوائد المشوق إلى علوم القرآن وعلم البيان أن ذلك من زعم المجوس أنفسهم. قلت لا مانع أن يكون انتقل منهم إلى العرب فاعتقدوه وأضافوه إلى مزاعمهم في الجاهلية كما انتقلت ليعضهم أشياء من التمجس عن الفرس.
(ومنها) قول سبرة بن عمرو الفقعسي:
أتنسى دفاعي عنك إذ أنت مسلم ... وقد سال من ذلّ عليك قُراقر
ونسوتكم في الروع باد وجوهها ... يُخان إماء والإماء حرائر
وذلك لأن الحرائر كن في مثل ذلك الوقت يتشبهن بالإماء في كشف وجوههن ليزهد فيهن فيأمن السبي كما في شرح الحماسة للتبريزي وقال أيضًا في تفسير قول عمرو بن معد يكرب:
لما رأيت نساءنا ... يفحصن بالمعزاء شدَّا
وبدت لميس كأنها=بدر السماء إذا تبدى
إن المعنى كاشفة عن وجهها كأنها قد أرسلت نقابها ودلّ على هذا بقوله كأنها بدر السماء