وقد أحس العرب من أنفسهم هذا الداء في أواخر القرن السادس لميلاد المسيح فأخذوا يطبون له وبعبارة جلية أخذوا يتهيئون لنهضتهم الجديدة في اللغة والدين والاجتماع فماذا صنعوا. .؟
مقدمات النهضة العربية
أقاموا بالقرب من مكة أسواق ثلاثًا كانوا يقضون فيها كل عام شهرًا كاملًا من الأشهر الحرم وهو ذو القعدة ولم يكن لقبيلة أن تتخلف عن هذا الاجتماع فكانوا يبيعون ويشترون ويتقاضون ويتخاصمون ويتنافرون ويتناشدون حسان القصائد ويتبادلون متان الخطب وكان يجلس لهم قضاة يفصلون الخصومة فربما أعلن قوم الحرب عَلَى آخرين فردهم القضاة إلى السلم وربما ظفر الرجل بقاتل أخيه أو أبيه فألزمه القاضي أن يطلقه ويقبل منه الفداءَ وكان يجلس للشعراءِ خاصة قضاة ناقدون يفضلون بعضًا عَلَى بعض ورئيس هذه الطائفة من القضاة هو نابغة بني ذبيان.
وقد نتج من هذه الأسواق الثلاثة نتائج كبرى: الأولى - شعور العرب بحاجتهم إلى السلم واتفاق الكلمة واجتماع الرأي وائتلاف القلوب ولعلكم ترون ذلك ظاهرًا في معلقة بن أبي سلمى حين يدعوا عبسًا وفزارة إلى الصلح.
الثانية - تهيؤُ قلوبهم لقبول الوعظ والدين واستعداد نفوسهم للبحث النظري عما اشتمل عليه هذا العالم من نظام بديع ولعلكم تجدون ذلك جليًا في شعر زهير وخطب قس بن ساعدة وأكثم بن صيفي وفي شعر لبيد بن ربيعة الذي قاله في الجاهلية.
الثالثة - تقارب اللغات المتباعدة وائتلاف اللهجات المختلفة وتغلب لغة قريش عَلَى اللغات الأخرى.
وإذا كانت الحوادث في هذا العالم إنما تحدث متوالية متتابعة وينتج بعضها من بعض كان حقًا علينا أن ندع هذه النتائج الآن حتى نصل عملها في الوجود لنجني ثمرها بعد حين.
الشعر
في ذلك العصر التهبت جذوة الشعر واستطار شرره فالتهم كل شيءٍ واحتكم في كل إنسان ولم تكن حكمة الإله ولا رأي الاع + ولا اعتماد إلا عليه وكان يكفي للشاعر أن يمدح الوضيع فيرفعه أو يذم الرفيع فيضعه أو يغري بالحرب فتتهالك النفوس وتتفانى القوى أو