إن من يعيش بسكينة بين مواطنيه في دولة يرتبط جميع أعضائها بجنسية واحدة والذي لم يقع له أن خجل من لغته أو أنكرها لا يقدر قيمة تلك الجنسية مثله كمثل الذي لم يشعر بمرض هل تكفي قراءة الأوصاف والأعراض أو قص أنواع الآلام والعذاب عليه لكي يشعر بها ويقدر مكانتها؟. . . أما من عاش في بلد مضطهدة فيه جنسيته ولغته غير لغة الحكومة ويرى نفسه مضطرًا لتعلم لغة أجنبية لا يستعملها إلا كأجنبي - هذا إذا لم يشأ أن ينبذ شخصيته أو رفض الوظائف المالية أو التمتع بحقوقه المدنية في تلك الدولة ليعيش كأحد عبيد القرون الوسطى أو كأحد المجرمين المحكوم عليهم بالخروج من حقوقهم المدنية والإنسانية. . . هذا الذي يضطر للخنوع وتعفير الرأس أمام جنسية أجنبية، يقدر مزايا الجنسية الخاصة ويشعر بها! ليس الحرمان من حقوق الشرف التي تحكم بها بعض القوانين بشيء مذكور في جانب الحرمان من استعمال اللغة! ليس تصفيد الأيدي والأرجل بالأغلال بأشد من عقد اللسان! هناك يحاول المرء أن يخرج من سجن نفسه فلا يستطيعّ وتأكد أن في إمكانه أن يكون بليغًا فيرى نفسه مضطرًا إلى أن يرطن بلسان أعجمي. بل يرى نفسه محرومًا من أقوى الوسائل الفعالة في التأثير في الغير فيشعر بأنه مفلوج مقطع الأوصال!
إن المرؤ الذي يعرف نفسه لا يرضى لها مثل تلك الأحوال. ومن ذا الذي يقوى عَلَى إنكار ذاتيته طائعًا مختارًا؟ بل من ذا الذي يرضى بأن يعيش عيشة خالية من أفضل المزايا وأعظمها: وهي استطاعة إبداء مظهري رقية النفساني الشعور والفكر؟ نحن عَلَى يقين بأن الهندي الوثني المعتقد يطرح بنفسه تحت عجلات مركبة (جاغزنات) طمعًا في أن يحيا حياة أخرى أنعم وأسعد من الأولى، نعلم علم اليقين أن (الفقير) يأبى استخدام بعض أعضائه ويعيش سنين عديدة كنصف إنسان أو كإنسان متنبت وذلك لأنه يجد من نفسه دافعًا ومن النعيم الموعود به مشجعًا إن هم قدم حياته لله قربانًا ولكنا لا نقدر أن نتصور أولئك الذين يولون لجنسيتهم الأدبار ويرضون باستعمال لغة أجنبية يرطنون بها طوال حياتهم بين استهزاء الآخرين بهم وخجلهم الدائم من أنفسهم وأما الذين يأتون بضحية مثل هذه جنبًا أو عجزًا أو عن حماقة فعندي غنهم يستحقون الشفقة إلا الذين ينبذون لغتهم أي - أنانيتهم - وذاتيتهم المفكرة ويتسربون إلى أهاب أجنبي طمعًا بنيل بعض المآرب فأولئك هم