في فرنسا أنه يموت فيها كل سنة 50 ألف نفس بالسل الرئوي وقد ذكر الأطباء أن أكثر هذا العدد يذهب في ذمة السكر ولولاه لكان السل ضعيفًا بسبب انتشار معرفة الصحة بين الجميع. ويقال أنه يندر أن يمضي يوم دون أن يسقط في شوارعها عدة أناس موتى فجأة بسبب تأثير الإبسنت بالخصوص. أما أسوج ونروج فإنهما أقل الممالك سكرًا لن حكومتيهما تقاومه بشدة وقد يكون ذلك لأنهما اقل الدول تجهيزًا واستعدادً للحرب عَلَى خلاف سائر أوربا فإن اضطرارها الدائم للاستعداد قد صير أهلها عَلَى حرب دائمة مع الخمر لأنها تقف معها عَلَى الحياد ولا تفصل بينهما ولذلك تقتل الخمر من أبنائها من أجل ما يسمونه (السلم المسلح) أكثر ممن تقتلهم الحروب الحقيقية كحرب طرابلس الحاضرة فإنه لو نظر إلى عدد الذين يسقطون من قتلاها كل يوم ونظر إلى عدد الذين يسقطون بالسكر في المستشفيات والشوارع لكان عدد قتلى الخمر أكثر عددًا من غرقى البحار لأن التقاويم تدل عَلَى صدق ما قال.
أما الخطر الذي يحيق بأوربا الآن فليس من تأثير الخمر مباشرة بل من تأثيرها غير مباشرة وذلك أنه تبين للباحثين أن مدمني الخمر يلدون ابناء ميالين إليها كما أن أكثر مواليدها يكونون ضعافًا ليس في أجسادهم قوة لمقومة السقم. وقد قال أحد الباحثين أن الذين تظفر بهم الشرطة من السكيرين والمجرمين بسبب السكر إنما هم أقل جدًا من الذين يظفر بهم الأطباء وسائر الناس أي أن الخمر لا يفضي إلى ما يتعلق بالشرطة والحكم العمومي إلا جزءًا يسيرًا من أفضالها إلى الخبال التدريجي وضعف الذاكرة فضلًا عن الانتحار ولذلك أجمعوا عَلَى أن السكير يؤذي نفسه أكثر جدًا مما يؤذي سواه.
ومما حدثوه أيضًا عن الخمور الطبيعية كالنبيذ أو المصنوعة كالجعة إنها لا تؤذي بل قد تعد أحيانًا داخلة ضمن الغذاء لأن نسبة الكحول فيها إلى الماء وسائر المواد الممتزجة بها تعد نسبة مقبولة بخلاف الكحول كالإبسنت والويسكي والكونياك وسائر المستقطرات القوية فإنه لم يثبت لهم أنها تكون غذاء للجسم إلا من جهة كونها تحترق فداء عما كان يجب أن يحترق من الطعام نفسه أي أنها تحترق في الجسم كما يحترق المنديل المبلول بالسبيرتو فإنه حين يشتعل لا يحترق منه أولًا إلا السبيرتو ويبقى المنديل سليمًا فكان السبيرتو بذلك قد رد عن المنديل خطر الاحتراق إذ قام للنار مقامه ولكن المنديل مع بقاءه سليمًا يصير