مصر وآخرها من ناحية الشام قال أبو العز مظفر بن إبراهيم ابن جماعة بن علي الضرير العيلاني معتذرًا عن تأخره لتلقي الوزير الصاحب صفي الدين بن شكر وكان قد تلقي إلى هذا الموضع:
قالوا إلى الخشبي سرنا عَلَى لهفٍ ... نلقى الوزير جمعًا من ذوي الرتب
ولم تسر قلت والمولى نعمته ... ما خفت من تعب ألقى ولا نصب
وإنما النار في قلبي لغيبته ... فخفت أجمع بين النار والخشب
وكل الجفار رمال سائلة بيض في غربيها منعطف نحو الشمال بحر الشام وفي شرقيها منعطف نحو الجنوب بحر القلزم وسميت الجفار لكثرة الجفار بأرضها ولا شرب لسكانها إلا منها وكان فيها لعهد ياقوت نخل كثير ورطب جيد وهو ملك لقوم ميفرقين في قرى مصر يأتونه أيام لقاحه فيلقحونه وأيام إدراكه فيجتنونه وينزلون بينه بأهاليهم في بيوت من سعف النخيل والحلفاء وفي الجادة السابلة إلى مصر عدة مواضع عامرة يسكنها قوم من السوقة للمعيشة عَلَى القوافل وهي رفح والقس وزعقا والعريش والواردة وقطية وفي كل موضع من هذه المواضع عدة دكاكاين قال المهلبي واعيان مدن الجفار العريش ورفح والواردة والنخل في جميع الجفار كثير وكذلك الكروم وشجر الرمان (أما نحن فلم نر كرمًا ولا رمانًا ولا دكانًا ولا خانًا) وأهلها بادية متحضرون ولجميعهم في ظواهر مدنهم أجنة وأملاك وأخصاص فيها منهم كثير ويزرعون في الرمل زرعًا ضعيفًا يؤدون فيع العشر وكذلك يؤخذ من ثمارهم، ويقطع في وقت من السنة إلى بلدهم من بحر الروم طير من السلوى يسمونه المرغ (والمرغ هو الطير بالفارسية) يصيدون فيه ما شاء الله يأكلونه طريًا ويقتنونه مملوحًا ويقطع إليهم من بلد الروم عَلَى البحر في وقت من السنة جارح كثير فيصيدون منه الشواهين والصقور والبواشق وقل ما يقدرون عَلَى البازي وليس لصقورهم وشواهينهم من الفراهة ما لبواشقهم وليس يحتاجون لكثرة أجنتهم إلى الرأس لأنه لا يقدر أحد منهم يعدو عَلَى أحد لأن الرجل منهم إذا أنكر شيئًا من حال جنانه نظر إلى الوطء في الرمل ثم قفا ذلك إلى مسيرة يوم ويومين حتى يلحق من سرقه وذكر بعضهم أنهم يعرفون أثر وطء الشاب من الشيخ والأبيض من الأسود والمرأة من الرجل والعاتق من الثيب فإن كان هذا حقًا فهو أعجب من العجائب.