ولا بأس أن نذكر شيئًا من مقدمة نزهة المشتاق في اختراق الآفاق لتعريف القارئ بالثناء المستطاب الذي خلد به الإدريسي ذكرى رجار عَلَى ممر الأدهار والأعصار.
قال الشريف الإدريسي: أفضل ما عني به الناظر، واستعمل فيه الأفكار والخواطر، وما سبق إليه الملك المعظم رجار المعتز بالله، المقتدر بقدرته، ملك صقلية وإيطاليا وانكبردة وقلورية معز أمام رومية الناصر للملة النصرانية. إذ هو خير من ملك الروم بسطًا وقبضًا. وصرف الأمور عَلَى إرادته إبرامًا ونقضًا، ودان قي ملته بدين العدل، واشتمل عليهم بكنف التطول والفضل، وقام بأسباب مملكته أحسن قيام، وأجرى سنن دولته عَلَى أفضل نظام وأجمل التئام وافتتح البلاد شرقًا وغربًا. وأذل رقاب الجبابرة من أهل ملته بعدًا وقربًا. بما يحويه من جيوش متوفرة العدد والعدد. وأساطيل متكاثفة متناصرة المدد. صدق فيها الخبر الخبر. واستوى في معرفتها السمع والبصر. فأي غرض بعيد لم يصل إليه. ولم يخطر عليه؟ وأي مرام عسير لم يحظ به ولم يتيسر لديه؟ إذ الأقدار جارية بوفق مبتغياته وأرادته. والسعادات خادمة له ومتصرفة عَلَى اختياره في حركاته وسكناته. (واستمر الشريف عَلَى هذا المنوال إلى أن قال) :
لما اتسعت أعمال مملكته. . . . . أحب أن يعرف كيفيات بلاده حقيقة ويقتلها يقينًا وخيرة. ويعلم حدودها ومسالكها برًا وبحرًا. وفي أي إقليم هي. . . . مع معرفة غيرها من البلاد والأقطار. . . . يطلب ما في الكتب المؤلفة في هذا الفن. . . . مثل كتاب العجائب للمسعودي، وكتاب أبي نصر سعيد الجيهاني، وكتاب أبي القاسم عبيد ابن خرداذبة، وكتاب أحمد بن عمر العذري، وكتاب أبي القاسم محمد الحوقلي البغدادي، وكتاب جاناخ ابن خاقان الكيماكي، وكتاب موسى بن قاسمك القردي، وكتاب. . . . اليعقوبي، وكتاب إسحق بن حسن المنجم، وكتاب قدامة البصري، وكتاب بطليموس القالوذي، وكتاب أرسيوس الإنطاكي، فلم يجد ذلك فيها مشروحًا مستوعبًا مفصلًا. . . . فأحضر لديه العارفين بهذا الشأن. . . . فلم يجد عندهم أكثر ما في الكتب المذكورة فلما رآهم عَلَى مثل هذه الحال، بعث إلى سائر بلاده فأحضر العارفين بها والمتجولين فيها. . . . .
ثم اشار الإدريسي إلى صنع الكرة الفضية وأنها عظيمة الجرم ضخمة الحجم، في وزن أربعمائة رطل بالرومي، في كل رطل مكنها مائة درهم واثنا عشر درهمًا، وقال أنها