المصاعب، بل لقمعها، ولا للبحث عن الراحة فقط، بل عن معرفة إحراز الظفر من أيدي المشاكل والمخاطر. يجب عَلَى الرجل أن يفرح إذا أتى بعمل الرجال ويسر إذا تجرأ عَلَى تحمل الصعوبات وكد وجد وحافظ عَلَى نفسه وعل من يلوذ به، يجب عَلَى المرأة أن تكون مديرة لبيتها، رفيقة لزوجها، عاقلة لا تجزع من كثرة الأولاد الأقوياء الأشداء حولها. فرجاؤنا إلى أبناء العلم والتعليم عَلَى الأقل أن يبذلوا الجهد في إنشاء هذه الصفات العالية بين الناشئ الجديدة ومن يليها.
ويكفي أن يكون الأفراد أقويا إذا لم تنور أفئدتهم بحب المنفعة العامة وتعلق آمالهم وغاياتهم برقي الشعب الذي يرجعون إليه؟ الرجل المتفرد لا قيمة له وما قيمة المرء إلا بقيمة الهيئة الاجتماعية التي ينتسب إليها. وهل ينكر أحد أن مبدأ الترقي والمدنية هو التعاون والإخلاص المتقابل بين الأفراد! ليست هي الجمعية التي تحمل الفرد أن يتجول بكل حرية ويظهر استعداده ولياقته أينما كان. إذًا عَلَى كل فرد أن يحب أمته ويسعى لإرضائها وإسعادها، تلك الأمة التي ضمته إلى حجرها ضمنت له الحياة ثم دربته إلى أن تيسر له استنارة مداركه وأعماله. الرجل الذي تبرأ من أمته ويهمل أمرها بعد أن أخذ غذائه منها هي ولا شك، غنية عنه وعن أمثاله ومن يقدر المنفعة العامة ويخدمها ولو كان ذلك يؤدي في بعض الأحيان إلى ضرره الذاتي، فهو مبجل في جميع الأزمنة في نظر أمته ونظر الإنسانية.
حكمت أثينة ظلمًا عَلَى سقراط بشرب السم. فبدلًا من أن يركب العار ويفر من قانون أمته رضي بحكم الجمهور وتجرع كأس المنون صابرًا غير جازع فحب الأمة وحسن المفاداة بمنافعنا الحسيسة بحبها يجب أن تنير أفئدتنا ويعلي مقاصدنا وما أحسن ما كتب عَلَى نصب قبر أحد أولئك الأبطال الذين فادوا بأرواحهم في حرب ترموبيل حبًا بأمتهم: أيها العابر اذهب وخبر إسبارطة إننا لم نمت في هذا المكان إلا حبًا بإعلاء شرفها وتأييد حريتها! وهل فعلت الأعراب أقل من ذلك وما السائق الذي دفع طارق بن زياد أن يحرق المراكب وينادي بعسكره: الموت أو الظفر، وما الذي ساق محمدًا المنصور الوزير الأندلسي الشهير أن يتمدد عَلَى الطريق ويصد الفارين بنفسه إذا لم يكن حب الوظيفة وحب الأمة والوطن.
الفضيلة التي تأمر الإنسان أن يضع نفسه دون مبادئه العالية هي من أول الفضائل التي