ولما رحل المسلمون عنها قلَّ شأنها وكادت تعفو رسومها ويخفى ذكرها ومازالت إلى أن عاد ذكرها ما حدث حولها 61هـ 680م من الحوادث الخطير التي أدهشت العالم الإسلامي إلا وهي وقعة كربلاء والطف المحزنة التي قتل فيها الحسين بن علي ونفر قليل من أصحابه رضي الله عنهم لمطالبته بالخلافة وأنفة من مبايعة يزيد بن أبي سفيان لأنه يرى نفسه أحق بها منه، ومن ذلك الحين ذاع صيت هذه المدينة في الآفاق وانتشر في الأقطار، وقد جاء ذكرها في أشعار العرب ودواوينهم ومع هذا لم تكن في القرن الأول الهجري عامرة، ومع ما كان في أنفس الهاشميين وشيعتهم من مجاورة قبر الحسين لم يتمكنوا من اتخاذ الدور وتشييد البنايات خوفًا من سلطان بني أمية، وقد أخذت في التقدم في أوائل الدولة العباسية ورجعت القهقرى أيام الرشيد وقد ازداد خرابها في أيام المتوكل لأنه هدم قبر الحسين فرحل عنها سكانها، ثم أخذ الشيعة أيام المنتصر يتوافدون إلى كربلاء أفواجًا أفواجًا ويعمرونها ثم ضخمت في القرن الرابع للهجرة وقد زارها عضد الدولة بن بويه سنة 37هـ 980م وكانت مدينة عامرة آهلة بالسكان يقطنها آلاف النفوس وقد وصفها ابن بطوطة قال:
هي مدينة صغيرة تحفها حدائق النخل ويسقيها ماء الفرات، والروضة المقدسة داخلها، وعليها مدرسة وزاوية كريمة فيها الطعام للوارد والخارج وعلى باب الروضة الحجاب والقومة لا يدخلها أحد إلا بإذنهم فيقبل العتبة الشريفة وهي الفضة وعلى الضريح المقدس قناديل الذهب والفضة وعلى الأبواب أستار الحديد، وأهل هذه المدينة طائفتان أولاد دخيل وأولاد فائز ينهم القتال أبدًا وهم جميعًا أمامية ولأجل فتنهم تخربت هذه المدينة اهـ.
ولم تزل كربلاء بين صعود وهبوط ورقي وانحطاط تارة تنحط فتخضع لدول الطوائف وطورًا تعمر متقدمة بعض التقدم إلى أن دخلت في حوزة الدولة العثمانية سنة 941هـ 1534م وأخذت تتنفس الصعداء مما أصابها نكبات الزمان وحوادث الدهر التي كادت تقضي عليها، وبقيت وهي مطمئنة البال مدة طويلة تزيد عَلَى ثلاثة قرون لم ترى في خلالها ما يكدر صفو سكانها حتى جاءت سنة 216هـ 1801م جهز الأمير سعود الوهابي جيشًا عرمرمًا مؤلفًا من 20 ألف مقاتل وهجم بهم عَلَى مدينة كربلاء وكانت عَلَى غاية من الشهرة والفخامة ينتابها زوار الفرس والترك والعرب فدخل سعود المدينة بعد أن ضيق